فهرس الكتاب

الصفحة 11844 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

... إن الإسلام هو الدين الحق من عند الله ، بعث به جميع الأنبياء والمرسلين ، الذين ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فاكتمل الدين به ، منهجًا ربّانيًا للإنسان ، للناس كافة ، للبشرية كلها:

(( .. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا .. ) ) [ المائدة: 3 ]

فالإسلام ينظر إلى الإنسان وإلى حقوقه في هذه الحياة الدنيا نظرة شاملة تمتد مع مختلف الأحوال والظروف ، ومع العصور والأزمان ، ومع الأقطار والأجناس ، نظرة عادلة دقيقة ، متوازنة على أسس ربّانية .

إن حقوق الإنسان تأخذ امتدادها وشمولها في الإسلام من القاعدة الربانية الأولى ، قاعدة الإيمان والتوحيد ، كما يبيّنها لنا الحديث الشريف الذي نعيده هنا للتأكيد والتذكير:

"يا معاذ بن جبل ‍ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق عباده على الله ؟ فإِنّ حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وحق العباد على الله أن لا يعذّب من لا يشرك به شيئًا" [ رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة ] (1)

من هذا التصوّر ، من هذه القاعدة الربانيّة تنطلق حقوق الإنسان وتنطلق مسؤولياته ، وتترابط الحقوق والمسؤوليات بذلك .

ومن هنا نرى أن الحقوق والمسؤوليات شرع من عند الله لا يعصف بها كِبْر الإنسان ولا غروره ، ولا أوهامه ولا ظنونه ، ولا مصالحه المتبدلة المتناقضة ، ولكنها تدخل في أعمال الإنسان وأعماق مصالحة الطاهرة في الدنيا كما شرعها الله له .

فارتباط الحقوق بالمسؤوليات على النحو الذي عرضناه ، وارتباط الحقوق والمسؤوليات بجميع مصالح الإنسان الطاهرة العادلة التي شرعها الله له ، هو المعنى الأول من معاني شمول النظرة الإسلامية لحقوق الإنسان .

ولا تنحصر حقوق الإنسان ولا تنشأ من ارتباطه بأرض ، لتنفي الحقوق عن إنسان ارتبط بأَرض أخرى . ولا تنحصر الحقوق باللون واللغة والجنس ، ولكنها تمتد مع الإنسان حيثما كان ، ومهما كان لونه أو كانت لغته ، إنها نظرة في الإسلام شاملة لحقوق الإنسان في الأرض كلها بألوانه ولغاته . وهذا هو المعنى الثاني للامتداد والشمول .

وتمتد نظرة الإسلام إلى الإنسان في جميع مراحل حياته ، ويقرر لكل مرحلة حقوقها ومسؤولياتها فالإسلام يقرر حق رعاية الجنين ، والرضيع والفطيم والصبيّ والفتى والرجل والشيخ والهرم ، لتكون هذه الحقوق ملّبية لحاجة كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان . وتمتد هذه الحقوق إلى الميّت ، فتنشأ له حقوق نابعة من القاعدة الربانية الأولى التي سبق ذكرها . إنها حقوق حدّدها الله رب العالمين وبلغها رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا هو المعنى الثالث من معاني الشمول والامتداد .

والمعنى الرابع للشمول والامتداد هو امتداد الحقوق والمسؤوليات في الإسلام إلى جميع الروابط الإيمانية وعلاقاتها . وأول هذه الروابط أخوة الإيمان التي فرضها الله وفصّل حقوقها ومسؤولياتها حتى لا تقف عند حدود العواطف التي تشتعل وتنطفئ حسب المصالح والأهواء . فكانت هذه الرابطة بحقوقها ومسؤولياتها جزءًا من إيمان وتوحيد . وكذلك رابطة الجوار والمصاحبة في العمل أو السفر ، وكل رابطة تنشأ في الإسلام وتنبع من الإيمان وتخضع لشرع الله ، هي علاقة لها حقوق ومسؤوليات في الإسلام .

والمعنى الخامس من معاني الشمول والامتداد هو امتداد الحقوق والمسؤوليات إلى جميع مستويات الأمة ابتداء من وليّ الأمر إلى العلماء حتى الخادم والمولى . فقد فصّل الإسلام في هذه الحقوق والمسؤوليات لتتوازن موازنة أمينة عادلة تحفظ للأمة ترابطها . وتجد أن من الموالي في الإسلام من بلغ منزلة في العلم عالية ، رفعته في الأمة وتاريخها . فنافع مولى عبدالله بن عمر كان من رواة حديث رسول الله ، ومن الرواة الموثوقين الذين تأخذ الأمة عنهم روايتهم . إنهم كانوا يتمتعون بحقوق لا يكاد يتمتع بها كثير من عبيد حضارة القرن العشرين في أكثر الدول تقدّمًا ماديًّا . وللخادم منزلته واحترامه وحقوقه كذلك ، حقوق تكاد تُفقد في أعاصير الحضارة المادية وتهافتها وصراعها على الدنيا .

والمعنى السادس هو امتداد الحقوق والمسؤوليات إلى الأرحام ، الحقوق التي فصّلها الإسلام ورعاها لتكون الصِّلات كريمة نديّة بالإيمان عَبِقة بعبق المودة والإحسان .

لقد رعى الإسلام حقوق جميع هذه الروابط الإيمانية ومسؤولياتها ، وجميع حقوق المستويات ومسؤولياتها ، حتى لا تتحول أي رابطة إلى عصبية جاهلية ، ولا تتحول حقوق أي مستوى إلى كبر وغرور ، وظلم وطغيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت