فهرس الكتاب

الصفحة 22924 من 27345

محمد أبو رمان 23/2/1426

يبدو من المناسب استعارة عنوان رواية ماركيز"مائة عام من العزلة"في تعريف الفترة التي فصلتنا عن وفاة الإمام المجدّد محمد عبده، فهي بمثابة المائة عام من التنكُّر والهجر والقطيعة مع مدرسة وأفكار وتراث محمد عبده تحت وطأة فتاوى فكرية وفقهية صدرت بحق الرجل وحبست مدرسته الفكرية قرنًا كاملًا مورس بحقه خلالها كل أنواع التجاهل والإهمال إلى أن دار التاريخ، وعاد بنا إلى الاستعمار والاحتلال والتخلّف مرة أخرى، وعدنا نلتمس الطريق لنجد أن الإمام محمد عبده كان قد أحسن في قراءة الشروط التاريخية والحضارية، والعوامل الذاتية الفاعلة والكامنة وراء حالة الضعف والتخلف، وقدم مشروعه الإصلاحي المبدع في مواجهتها مبتدئًا من الإصلاح الديني كي يكون الدين عامل تقدم ونهوض لا كابحًا للأمم، فجعل الإمام الدين معولًا لهدم الخرافات والتقليد والعوائق لا سادِنًا لها كما كان الحال قبل ظهور هذا العالم الجليل!

ولعل السؤال المطروح اليوم هو لماذا تم تجاهل مدرسة الإمام محمد عبده قرنًا كاملًا من الزمن؟ والجواب على ذلك يرتبط بطبيعة الشروط التاريخية التي مرت بها الشعوب العربية خلال هذه الفترة، والمداخل التي تم اختيارها لمواجهة هذه الظروف، ففي الوقت الذي كان محمد عبده يواجه تحدي التخلف والضعف، ويلح عليه سؤال المفارقة الحضارية بين الشرق والغرب، فإن الفكر والحراك الإسلامي بعده واجه سؤال الهوية، وزوال ظل الخلافة، وهاجس الدولة القطرية والصراع على السلطة بين التيارات الفكرية والسياسية العربية الرئيسة، الأمر الذي دفع بمدرسة الإصلاح والتجديد إلى الوراء وقدّم مدرسة الثورة والهويّة والإحياء، ثم نعود من جديد بعد قرن من التيه فنجد أننا مكشوفون حضاريًا وثقافيًا وسياسيًا، وأننا مهدّدون في أمننا الاجتماعي والأخلاقي والسياسي، وسواء قلنا إن العوامل الخارجية هي السبب -كما يصر دومًا الأستاذ منير شفيق وأنصار مدرسة التبعية- أم قلنا إن السبب هو ضعفنا الداخلي فإن المحصلة واحدة: ما زلنا في المربع الأول الذي تركنا الإمام عنده -لمّا رحل من الدنيا- وهو سؤال الضعف والتخلف وملخّصه"لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟!".

في هذا السياق لا يعني احتفاؤنا بالإمام محمد عبده أننا نطالب بالقبول بمدرسته وكل فتاواه وآرائه، فهذا ما يرفضه هو نفسه؛ لأنه يرفض التقليد والجمود، ولكننا نطالب بالاستفادة من مدرسته الفكرية، ومن مشروعه الإصلاحي المتكامل من خلال ممارسة نقديّة موضوعيّة، بمعنى: استلهام أصول وقواعد منهجه الفكريّ والمعرفي والبناء عليها وغربلتها، وتطويرها والوصول إلى الاستفادة مما يمكن البناء عليه، واستثماره في عملية الانبعاث الحضاري والفكري دون الخوف من الوقوع في فخ التسمّر عند أفكاره ومواقفه، وكلها غير ملزمة لنا. لذلك فإن خطورة ما حدث خلال مائة عام ليس انقطاعنا عن فتاوى وأفكار الإمام؛ ولكن لأننا انقطعنا عن مدرسته الفكرية، والتي تعتبر أن الإصلاح والتجديد هو المدخل المناسب للتقدم والقوة والمنعة، وأن الإصلاح الديني يقع في مقدمة أوليات الإصلاح، وهو ما تكشفت حقيقته اليوم، فقد أعطى محمد عبده مسألة الإصلاح الديني مشروعية فقهية وفكرية نُزعت عنها فيما بعد من قبل العلماء والمفكرين العرب والمسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت