فهرس الكتاب

الصفحة 22122 من 27345

لِماذا اختفى إحسان؟

سمر عبدالله 6/8/1426

إحسانُ الظنِّ بالله

إحسانُ الظنِّ بالناس

إحسانُ النيّة

إحسانُ مُعاملةِ الوالدين

إحسانُ الجيرة

إحسانُ العمل و إتقانه؟!!

يحصر كثير من الناس الإحسان في العبادات، و الحقيقة أن الإحسان أعمّ و أوسع من الحدود التي يحصرونه فيها، فكل ميادين الحياة للإحسان فيها آفاق!

و الإنسان المُحسِن يخوض هذه الميادين و هو حذِرٌ مُراقِبٌ لله في سكناته و حركاته؛ لأنهُ يعلم علم اليقين أن الله -عزّ وجل- ناظِرٌ إليه و مُطّلعٌ على فؤاده و نواياه، فتجده حرِيصًا على أن يُنجِز أي أمر هو مُقدم عليه بِأمانةٍ و إتقان يرضى الله عنه. جاء في الحديث القُدسي أن الله تعالى قال:"ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه..."

والإحسان أعلى مراتب الإسلام منبعُه من أعماق النفس المؤمنة الموقِنة بأن الله يراها و إن لم تكن تراه. و ينعكس هذا اليقين على سريرتها و تصرفاتها في الآنِ معًا، فتجِدها إن تفكّرت نقّت سريرتها من الشوائب و أحسنت الظن، و إن تكلّمت تهذّبت في القول، و إن عملت أتقنت في السر والعلن! يقول ابن الجوزي"الحقّ عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه، فأمر بقصد نيته ورفع اليدين إليه والسؤال له، فقلوب الجهال تستشعر البعد ولذلك تقع منهم المعاصي؛ إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفُّوا الأكف عن الخطايا، والمتيقّظون علموا قربَه فحضرتهم المراقبة وكفَّتهم عن الانبساط".

و يُصبِح الإحسان منهج حياة و أسلوب معيشة ينعكس في سلوكيات و تعامل الإنسان مع الآخرين - الوالدين والأقارب وأفراد المجتمع عامة - (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) [سورة النساء، آية 36] . فترى نفس المُحسِن إن غضِبت، كتمت غيظها، و إن أُوذيت و ظُلِمت صبرت و احتسبت و إن قدَرت عَفَت، و إن أُحسِن إليها تجاوزت العدل في رد المعروف لتزيد الإحسان إحسانًا، ذلك أن الإحسان يفوق العدل، فالعدل يُلزِمك بأن تؤدِّي الحقوق إلى أهلِها أو أن تأخذ مالك دون زيادة او نقصان، أما الإحسان فهو في جود نفسك، في أخذها لما دون حقِها و إعطائها أكثر مما عليها! ورد في السلف أن جارية عثرت بمرقة فصبّتها على سيّدها فغضب و أرادَ أن يضربها، فقالت له: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال: قد فعلت. قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال: قد عفوت. قالت: (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقال: أحسنت إليك. فأعتقها!

ثمّ يتسع مفهوم الإحسان ليشمل تعامل الإنسان مع كل شيء في هذه الحياة - سرًّا و علنًا - من نبات أو حيوان أو جماد (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة الأعراف: آية 56] . يقول القرطبي:"إن الإحسان إلى الحيوان مما يغفر الذنوب، وتعظم به الأجور".

و للإحسان أثرٌ في سنن الكون و ارتقاء المجتمع، فهو يُعزّز من فهم الإنسان لشريعة الله، و يُعزّز من تفاعله مع الدور المنوط بِه في هذه الدُنيا، فلا يجعله يُهدِر طاقاته في غير النافع من الأمور، و يحثّه على الإتقان في إتمام مهامه، فِيما يُقرِّبه من خالقه. و بِهذا الإتقان تصلح الأرض و تتقدم المجتمعات و تنهض الأمّة!

و قد عظّم الله ثواب الإحسان على الفروض، فأداء الفروض قد يقي الإنسان من النار أو يدخله الجنة، بينما الإحسان قد يوصله إلى أعلى درجاتِها، يقول سبحانه و تعالى: (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) [سورة الرحمن: آية 60] و يقول سُبحانه و تعالى أيضًا: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [سورة البقرة: آية 195] .

فهل لِخيالك القاصِر أن يُدرِك حدود إحسان الله إليك في الآخِرة، أو مايعني حب المولى -عزّ و جلّ- لك؟!

ما يمنعُك إذًا من أن تكون مُحسِنًا و قدوة في زمنٍ قلّ فيه المُحسنون؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت