فهرس الكتاب

الصفحة 10667 من 27345

المضاربة بالأسهم متاجرة، أم مقامرة؟

د. يوسف بن أحمد القاسم (*) 13/2/1427

حدثني من أثق به: أن مساهمًا في إحدى الشركات المتردية أو النطيحة، قد بلغه خبر مفاجئ لم يصدقه من أول وهلة، وهو أن الشركة التي ساهم فيها منذ سنين بطريق (الخطأ!!) قد أفاقت من سباتها، وسادت بين الشركات بعد ترديها في ظلمات ثلاث، فارتفع مؤشر قيمتها السوقية ـ بين عشية وضحاها ـ من (150) ريالًا إلى (2600) ريال، ودون سابق إنذار!! وكأن دعوة صالحة في آخر الليل قد وافقت ساعة استجابة، فانتشلتها من بين الركام، ومن الحضيض إلى القمة، فما كان من أخينا المساهم الذي لم يسدد باقي القيمة الاسمية لأسهمه ـ لعدم قناعته المسبقة بجدواها الربحي ـ لم يكن منه إلا أن امتطى سيارته، متجهًا إلى المقر العام لتلك الشركة، وحين وصل إلى المقر كانت المفاجأة الأخرى، وهي أن هذه الشركة المجدولة في قائمة الشركات المتداولة لا يديرها إلا موظف واحد، من جنسية عربية، ومن قارة أفريقية، وهذا وحده هو المدير، وهو المسؤول، وهو موظف الصادر والوارد...الخ.

وحين سأله أخونا عن باقي الموظفين، أفاده الموظف المسؤول بأن الباقي هم أعضاء مجلس الإدارة، الذين يجتمعون مرة ـ أو أكثر ـ في كل عام!

وأما واقع نشاطها، فحدث ولا حرج، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه!

سدَّد المساهم باقي القيمة الاسمية لأسهمه، ثم قفل راجعًا، وهو عاجز عن حل هذه المعادلة؛ إذ كيف تبلغ القيمة السوقية لأسهم هذه الشركة أكثر من ألفي ريال، وهي بهذه الحال من الضعف والخور، وقلة ذات اليد.!! فما كان جوابه لنفسه إلا أن قال: ربما كان بفعل خارج عن العادة وقانون الطبيعة، كعصا موسى الذي انقلب إلى حية، أو كالحجر الذي انبجست منه اثنتا عشرة عينًا.

فأجابته نفسه اللوامة: بأن هناك فارقًا بين واقع هذا الحجر، وواقع تلك الشركة، والفارق بينهما هو الفارق بين الحقيقة والخيال (أو السراب) ، فالحجر قد أصبح بقدرة الله تعالى اثنتا عشرة عينًا، قد علم كل أناس مشربهم، ولهذا قال الله تعالى عقب ذلك:"كلوا واشربوا من رزق الله".

وأما الواقع الآخر، فهو أشبه بسراب (بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا) وأنى للظمآن أن يروى من السراب!! وبذلك انتهت فصول القصة، ولكن لم تقف آثارها عند هذا الحد.

فذلك السراب وإن وجده بعض المضاربين شيئًاَ، إلا أنه قد وجده كثيرون لا شيء، وجدوه كذلك وجرَّبوه. ولذا ترى هؤلاء العارفين بالسراب، يصفون أسهم هذه الشركة ـ وأمثالها ـ مما لا تتفق قيمتها السوقية، مع واقع ربحها وقوة استثمارها، بأن هذه الأسهم لها بطن من دون أرجل! حيث قد وصلت أسعارها إلى أرقام فلكية من دون سند اقتصادي حقيقي, حتى قرأت لغير واحد من خبراء المال والاقتصاد، من يصف المضاربة بهذه الأسهم بأنه ضرب من القمار! فهل هي قمار حقًا؟ أم هي مجرد مخاطرة؟ وهل كل مخاطرة قمار، أم لا؟ وإذا لم تكن قمارًا، فهل يتجه القول بتحريمها لأنها نوع من أنواع الغرر، أو لما تشتمل عليه من المفاسد الراجحة؟

هذه التساؤلات أضعها بين يدي أهل العلم والبصيرة ليمعنوا النظر في هذه المسألة الشائكة، والتي أصبحت محل جدل وخلاف بين المعاصرين، وما هذا البحث المتواضع إلا مساهمة في إثراء هذا الموضوع, ولو بإثارة تساؤل ليس إلا، فأقول:

قبل الدخول في الموضوع، أنبه هنا بأن مقصودي من المضاربة: المتاجرة، كما هو المفهوم الشائع، لا المضاربة المصطلح عليها بين الفقهاء.

ثم إنه لا ريب أن الأصل في المعاملات الحل، ولهذا فإن الذي يطالب بالدليل، هو مدعي التحريم، لا العكس، وهذا أمر معلوم لدى أهل العلم، ومقرر في كتبهم.

وتعليقًا على التساؤل أقول:

لا يخفى على كل مراقب للسوق ـ ولمؤشر الشركات المساهمة تحديدًا ـ أن القيمة السوقية لأسهم العديد من الشركات يرتفع ويهوي في غمضه عين، وربما يستمر هذا الارتفاع أو الانخفاض الحاد لفترة أسبوع، أو أقل أو أكثر، وبعد هذه المدة قد يصبح المضارب ثريًا في لمحة بصر، وقد يكون الواقع عكسيًا فينحدر إلى مستوى تحت خط الفقر، لا سيما إن كان حاصلا على مال المضاربة بطريق القرض، ونحو ذلك، ولهذا حذر كثير من الاقتصاديين من المجازفة في الدخول بكل ما يملكه المضارب، لئلا تقع الكارثة. وهنا أقول: هل هذه المخاطرة قمار، كما سماها بعض الكتَّاب المهتمين بالسوق السعودية؟

الواقع أن المخاطرة أعم من القمار، فكل قمار مخاطرة، وليس كل مخاطرة قمارًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت