فهرس الكتاب

الصفحة 3199 من 27345

احفظ الله يحفظ .."1"

د. محمد بن عبد العزيز العلي

دراسة عقدية في حديث احفظ الله يحفظك

عن أبي العباس عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: كنت خلفَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا فقال: (يا غلامُ إني أُعَلِّمُك كلمات: احفظِ الله يحفظك، احفظِ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف) [3] .

وفي رواية: (احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك،واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرً) .

وفي رواية: (يا فتى ألا أهب لك ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنه قد جف القلم بما هو كائن، واعلم بأن الخلائق لو أرادوك بشيء لم يردك الله به لم يقدروا عليه، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرً) [4] .

مكانة الحديث:

حديث ابن عباس هذا حديث عظيم، وكل أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عظيمة وشريفة، فهو أمر نبوي كريم بحفظ الدين، وبيان لنتيجة ذلك، وهو نصر الله وتأييده وحفظه لمن حفظ دينه، وقد اشتمل هذا الحديث على مسائل عقدية تعد أصولًا عظيمة ، من الإيمان بالله والإخلاص له بالعبادة والتوكل عليه والاستعانة به ، والقضاء والقدر ، والاتباع لما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ومما يدل على مكانته اختيار النووي (ت 676ه) له أن يكون ضمن الأربعين حديثًا التي جمعها، وكان رقمه التاسع عشر، وذكر سبب اختياره لها بقوله: «وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثًا …، ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة، رضي الله عن قاصديها، وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام، أو ثلثه، أو نحو ذلك… ، وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبره» [5] .

كما اختاره النووي أيضًا ليكون ضمن كتابه القيم (رياض الصالحين) ، ووضعه في الباب الخامس، باب المراقبة، من الكتاب الأول، فكان رقمه الثاني والستين من جملة الأحاديث التي بلغت 1896 حديثًا، وقد قال في مقدمتها: «فرأيت أن أجمع مختصرًا من الأحاديث الصحيحة، مشتملًا على ما يكون طريقًا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلًا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعًا للترغيب والترهيب، وسائر أنواع آداب السالكين، من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح، وإزالة اعوجاجها،وغير ذلك من مقاصد العارفين» [6] .

وقد وجد هذان الكتابان قبولًا عظيمًا عند العلماء، وطلبة العلم بعد النووي، إذ كثر انتشارهما، واعتني بهما بالشرح والتعليق.

وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث خاصة، وشرحوه، وبينوا منزلته، ومن ذلك ما ذكره ابن رجب الحنبلي (ت 795ه) حيث قال: « هذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة،وقواعد كلية من أهم أمور الدين، وأجلِّها، حتى قال الإمام أبو الفرج في كتابه (صيد الخاطر) : تدبرت هذا الحديث، فأدهشني، وكدت أطيش، فوا أسفي من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه» [7] .

وقال ابن حجر الهيتمي (ت 974ه) : بأن هذا الحديث اشتمل على «هذه الوصايا الخطيرة القدر، الجامعة من الأحكام والحكم والمعارف ما يفوق الحصر» [8] .

وقال ابن عثيمين: «فهذا الحديث الذي أوصى به عبد الله بن عباس ينبغي للإنسان أن يكون على ذكر له دائمًا، وأن يعتمد على هذه الوصايا النافعة، التي أوصى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما» [9] .

شرح الحديث إجمالًا:

قوله: (كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم-) أي راكبًا معه، ورديفه.

قوله: (فقال: يا غلام…) قال له: (يا غلام) ؛ لأن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان صغيرًا، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- توفي وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة [10] .

قوله: (إني أعلمك كلمات) ذكر له ذلك قبل ذكر الكلمات، ليكون ذلك أوقع في نفسه، وجاء بها بصيغة القلّة؛ ليؤذنه أنها قليلة اللفظ؛ فيسهل حفظه [11] .

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (احفظ الله) أي احفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت