الشيخ الدكتور سعود الفنيسان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين نبينا محمد وصحابته أجمعين وبعد:
فيعد التأمين - والتأمين الصحي خاصة من النوازل التي ظهرت في هذا العصر ولم تكن معروفة من قبل. ولابد من عرض تلك القضايا على الأدلة والقواعد الشرعية. إذ ما من قضية إلا وللإسلام فيها حكم.
ويجد الناس من الأحكام بقدر ما يحدثونه من أحداث وقضايا، ذلك أن النصوص في الكتاب والسنة محصورة ومتناهية، أما القضايا والحوادث فغير متناهية، بل هي في تزايد مطرد وأهل العلم الشرعي المجتهدون هم الذين يبينون أحكام النوازل والمستجدات التي تنزل بالأمة في كل عصر، مستهدين بقول الله تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل أليهم) - النحل 44 -وقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء ) - الأنعام38-وقوله: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطوه منهم ) -النساء83-
ومستشهدين بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ) إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وإذا حكم فاجتهد فأصاب فله أجران (- سنن الدارقطني ج4 ص210-211-
وهذه المستجدات التي تنزل بالأمة (كالتأمين الصحي) مثلًا، لابد من اجتماع رأي الفقيه المتبصر بأمور عصره مع رأي الطبيب المختص، إذ لا يمكن للفقيه أن يصدر حكمه الجازم في المسألة دون الاطلاع على آراء الأطباء وذوي التجربة ولايمكن للطبيب أن يفتي في المسألة لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره وهذه الكلمات المرقومة في هذه الورقة بحاجة إلى أن يجتمع
عليها الفقهاء والأطباء في نقاش وحوار علميين حتى يمكن الوصول إلى النتيجة الشاملة والحكم الفاصل في مسألة (التأمين الصحي)
تعريفات تتعلق بالبحث
التأمين: في اللغة مصدر للفعل الرباعي أمن يؤمِّن تأمينًا في طلب للأمل والطمأنينة. وتتعدد أنواع التأمين إلى أنواع وأشكال كثيرة جدًا غير أنه يمكن حصرها إجمالًا بأن يقال: ينقسم التأمين من حيث الشكل إلى نوعين: عاوني وتجاري ومن حيث الموضوع: إلى تأمين من الضرار اللاحقة للمال وتأمين على الأشخاص (الحياة) ومنه التأمين الصحي ومن حيث العموم والخصوص: إلى تأمين اجتماعي، تقوم به المؤسسات ، والهيئات لعموم أفرادها، كالتأمينات الاجتماعية والتقاعدية. وتأمين فردي يكون الفرد فيه طرفًا مباشرًا في العقد وتعريف كل نوع لا يهمنا في هذا البحث اللهم إلا التأمين على الأشخاص فيمكن تعريفه على وجه التقريب بأن يقال:
-التأمين على الحياة: عقد يلتزم به المؤمن (شركة التأمين) أن يؤدي إلى المؤمن (المستأمن) أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه - مبلغًا من المال عند حصول الضرر مقابل مبلغ مالي يدفعه المؤمن له (المستأمن) إلى المؤمن (الشركة) دفعة واحدة أو على أقساط.
-التأمين الصحي: عقد بين طرفين يلتزم به الطرف الأول (المستشفى) بعلاج الطرف الثاني (فردًا كان أو جماعة) من مرض معيّن أو الوقاية من المرض عامة مقابل مبلغ مالي محدد يدفعه إلى الطرف الأول دفعة واحدة أو على أقساط.
-الإجارة في اللغة المجازاة. وفي اصطلاح الفقهاء: عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معيّنة من عين معلومة أو موصوفة في الذمة.
-الجعالة في اللغة: اسم لما يجعله الإنسان لغيره وهي مثلثة الجيم أي تنطق بالضمة والفتحة والكسرة.
وفي اصطلاح الفقهاء: التزام عوض معلوم على عمل معيّن (معلوم أو مجهول) بمعين أو مجهول.
وأكثر الفقهاء يبحثونها في كتبهم مع الإجارة لشدة الترابط بينهما حيث كل منهما عقد على عمل مباح مقابل عوض. وبعض الفقهاء يبحثها في آخر باب اللقطة.
الجعالة طلب التقاط الدابة الضالة مثلًا.
وحيث أن الجعالة هي الأظهر لحمل (التأمين الصحي) عليها سنبين أدلتها الشرعية.
من الأدلة على مشروعية الجعالة: