عبد الرحمن بن فؤاد الجار الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،،، أما بعد:
الشرط الأول: إقامة الحجة: قال - تعالى: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ) (الإسراء: من الآية15) . ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (153) من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو أنَّ أبا يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"والذي نفس محمدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار".
والمراد ببلوغ الحجة أي: الحجة الرسالية. قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (3/229) :"ومن جالسني يعلم ذلك مني أنِّي من أعظم الناس نهيًا عن أنْ ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى"ا. هـ.
ويُشترط لقيام الحجة: أن يتمكن من العلم بما أنزل الله ويقدر على العمل به.
وشرط فهم الحجة: هو فهم الدلالة والإرشاد.
وشرط قيام الحجة تتعلق به أحكامٌ في الدنيا وأحكامٌ في الآخرة، ففي الآخرة لا يعذبُ الله أحدًا إلا بعد قيامها للآية السابقة. وأما ما يتعلق بأحكام الدنيا، فالشخص الكافر الذي لم تبلغه دعوة الإسلام فإنه يُحكم عليه بأنه كافر، فلا يُقال كما يقول البعض: أنه ليس بمؤمنٍ ولا كافر.
وشرط إقامة الحجة في من ارتكب شيئًا من المُكفرات وهو مسلمٌ أصلًا مسألةٌ مرتبطة بالتفاصيل والقواعد التي سبق ذكرها فلا يُكفر في مسائلٍ تخفى عليه، أو قد تخفى على مثله، إلا بعد إقامة الحجة عليه، وأما إنْ كانت من المعلوم من الدين بالضرورة فإنه لا يحتاج أن تُقام عليه الحجة بها؛ لأنها معلومةٌ لديه أصلًا، وأما إنْ لم تكن معلومةً لديه كان عدم العلم بها بتقصيرٍ وتفريطٍ منه، وهذه المسألة كما سيأتي مرتبطة بمسألة الإعذارِ بالجهل فهناك جهلٌ يُعذر به وهناك جهلٌ لا يُعذر به.
و أما فهمُ الحجة فهل هو شرطٌ أم لا؟
أطلق بعضهم القول بأنَّ فهم الحجة شرط، وبعضهم أطلق القول بأنه ليس بشرطٍ، وكليهما خطأ، ففهم الحجة بمعنى أنه لابد أن يعلم ما خُوطب به علمًا تفصيليًا، لم يدل عليه دليل، فالشخص الكافر مثلًا لتقُمْ عليه الحُجة فلابد أنْ يعلم دقائقَ ما خُوطب به وتُشرح له تفاصيلُ الإيمان فهذا ليس بشرطٍ في الحقيقة، بدليلِ أنَّ هناك من يكون منه عدم العلم لإعراضه وتقصيرٍ منه.
قال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف في إجماع أهل السنة النبوية على تكفير المعطلة الجهمية في معرض كلامه عن الحُجة (1/159) :"فهمها نوعٌ وبلوغها نوعٌ آخر، فقد تقوم الحجة على من لم يفهمها"ا. هـ.
وإنما معنى الشرط في فهم الحجة أنْ يُخاطب بخطابٍ يفهمه، فلا يصح أن نُخاطب الأعجمي بلسانٍ عربي لا يفهمه ونقرأ عليه القرآن وهو لا يفهمه ثم نقول: قد قامت عليه الحجة، فلابد أن يفهم فهم دلالةٍ وإرشادٍ.
فالنصوص جاءت بالسماع وليس الفهم فلم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق: لا يفهم، بل قال: لا يسمع بي...وكذلك قول الله - تعالى: (( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) ) (التوبة: من الآية6) .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرسائل الشخصية (1/244) :"فإنَّ الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يُعرَّفُ، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال - تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} ..."ا. هـ.
وقال - رحمه الله - في الرسائل الشخصية (1/220) :"بأنَّ المعين لا يُكفر إلا إذا قامت عليه الحجة فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أنَّ قيامها ليس معناه أنْ يفهم كلام الله ورسوله مثلَ فهمِ أبي بكر - رضي الله عنه - بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن..."ا. هـ.
الشرط الثاني: شروط الفاعل:
1-أن يكون مكلفًا: أي بالغًا عاقلًا.
2-أن يكون متعمدًا: أي قاصدًا لفعله.
3-أن يكون مختارًا بإرادته.
الشرط الثالث: شروط الفعل:
1-أن يكون الفعل مكفرًا لا شبهة فيه.
2-أن يكون فعل المكلف أو قوله صريح الدلالة على الكفر.