فهرس الكتاب

الصفحة 14579 من 27345

حضارتنا في عيون الغربيين / د.عبد المعطي الدالاتي

"لا يمكن أن نجد دينًا يحتل العلم والمعرفة فيه محلًا بارزًا كما كان الأمر في الإسلام"

-كونستان جيورجيو -

تميزت الحضارة العربية الإسلامية بغايتها الربانية ، ورؤيتها الإنسانية ونزعتها العالمية ، ونظرتها الشمولية ، وفكرتها الوسطية ، وصبغتها الأخلاقية . وهذه الحضارة هي الوحيدة في التاريخ التي وصلت الدنيا بالآخرة ، وربطت السماء بالأرض ، وآخت بين العقل والقلب ، ومزجت المادة بالروح ، وأرضت الفرد والمجتمع ، ووازنت بين الحقوق والواجبات ، وجمعت بين الواقع والمثال .. لقد وحّدت بحق بين الثنائيات ، وأخرجت منها شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين .

وفيما يلي أنقل شهادات غربية منصفة في حضارتنا انتُزعت من أقلام مفكرين غربيين درسوا الإسلام فراعهم جماله ، وأعجبتهم مبادئه ، ولكنهم لم يُنزلوا قناعاتهم من سماء العقل إلى أرض القلب ، ولم يسقوها بماء الوجدان ، فلم تنمُ غراسها ولم تثمر !

وفشلوا في أن يحوّلوا الاقتناع بالحق إلى اعتناق له ، والإعجاب بالإسلام إلى عقيدة تجري في العروق ، نعم لم يبقَ أمامهم إلا ضربة معول واحدة كي يصلوا إلى النبع الثّر الزلال ، فلم يفعلوا ..

حاموا وهم الظّماء حول الماء ولم ينهلوا !!

وإنما أعرض أقوالهم لأولئك المهزومين أمام الغرب ، الذين لا يشربون الكأس الرويّة إلا إذا كانت بيد غربية ! ولا يجرعون الدواء إلا من تلك الصيدلية !!

على أن بعض هذه العبارات كانت في سياقها شَرَكًا نُصب للعقل المسلم ، ولا حرج علينا - أظن - إن لقطنا الحبة ، ومزقنا الشبكة ، وطرنا بسلام .

يقول المؤرخ الإنجليزي (ويلز) :"كل دين لا يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عرض الحائط ، وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت هو الإسلام … ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظرات ومناهج علمية ، وقوانين اجتماعية ، فهو كتاب دين وعلم واجتماع وخلق وتاريخ ، وإذا طُلبَ مني أن أحدّد معنى الإسلام فإني أحدده بهذه العبارة"الإسلام هو المدنية" (1) ."

وتقول المستشرقة زيغريد هونكه في كتابها القيم: (شمس الله تسطع على الغرب) :"إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء ، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها ، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها ، وتدعونا أن نقف متأملين: كيف حدث هذا ؟! إنه الإسلام الذي جعل من القبائل المتفككة شعبًا عظيمًا ، آخت بينه العقيدة ، وبهذا الروح القوي الفتي شق العرب طريقهم بعزيمة قوية تحت قيادة حكيمة وضع أساسها الرسول بنفسه … أو ليس في هذا الإيمان تفسير لذلك البعث الجديد ؟! والواقع أن روجر بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي .. إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين لجأوا - بعكس زملائهم المسيحيين - في بحثهم إلى العقل والملاحظة والتحقيق والبحث المستقيم ، لقد قدّم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم … وإن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هي في حقيقة الأمر نُصب تذكارية للعبقرية العربية …"

وقد بقي الطب الغربي قرونًا عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي ، وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في مدينة بازل بحركة مسيحية عدائية ، فإن كتب التراث العربي لم تختف من رفوف المكتبات وجيوب الأطباء ، بل ظلت محفوظة يسرق منها السارقون ما شاء لهم أن يسرقوا" (2) ."

وعلى مدى الكتاب كانت المؤلفة تعقد المقارنات بين منهج العرب المسلمين في البحث العلمي وبين ما كان عليه العقل الغربي من تسطّح فتقول:"اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوربة التي كانت ترى أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية ، فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكرًا: أيعقل أن يُجنّ الناس إلى هذا الحد ، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض ، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم؟!!" (3) .

قلت: منذ ألف عام توصل فقيه الأندلس الإمام ابن حزم إلى الجزم بكروية الأرض منطلقًا من القرآن الكريم ومن التنظيم المطّرد لمواقيت الصلاة في محيط الأرض… وقد بسط ذلك في كتابه الموسوم (الفصل بين المِلل والنِّحَل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت