ظاهرة التآكل الروحي (1من4) تنشأ من خلل في التوازن بين طاقات العقل والبدن والروح د. حمدي شعيب
هناك ذنوب تنسف الحسنات حتى لو كانت مثل الجبال، وهي التي تتم في جنح الظلام، وبعيدًا عن أعين الناس. عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَال:َ"لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا" (1) .
وما تجرأوا على هذا إلا أنهم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى"من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) (النساء) ."
القسم الثاني: التصدعات الباطنة
وهي الآثار النفسية الخفية، والروحية الباطنة.. حيث تعمل الذنوب عملها في تركيبة الإنسان الثلاثية دون استشعار العبد لها، خاصة الجانب الروحي؛ فتؤدي إلى حدوث تآكلات روحية، وكأنها قوارض أو أكلة.
وينتج عن ذلك ظاهرة اعتلالية تربوية وروحية؛ تسمى (ظاهرة التآكل الروحي) .
1 فما معنى ظاهرة التآكل الروحي؟
هي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاثة، وهي طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح. حيث يقل حظ الجانب الروحي في أعمال العبد، مثل التفريط في بعض الفرائض، وغيرها من أعمال اليوم والليلة من السنن، مثل الذكر والدعاء والاستغفار، وتلاوة القرآن.
وينشأ نوع من الخلل أو الانفصام المركب:
داخليًا يستشعر العبد قسوة وجفاءً مع نفسه، وخارجيًا يستشعر جفاءً مع الوجود كله.
والنتيجة هي الشعور بأن النفس والوجود يتنكران له فما هي بالنفس وما هو بالوجود الذي يعرفهما.
ويمتد هذا الشعور بغياب لذة الطاعة وألم البعد عنه سبحانه إلى حالة من غياب الرغبة في الحياة عمومًا، وضياع اللذة في المعيشة في الدنيا، ثم فوق ذلك؛ استشعار خيبة الأمل في النجاة في الآخرة:
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"124 . (طه) "
2 هل هي سنة إلهية؟
وعندما نقول إنها سنة إلهية، فإننا نقصد أن هذه الظاهرة هي محصلة لفعل قوانين ربانية، وقواعد إلهية ثابتة، أو هي نتيجة لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية انطبقت عليها القوانين الإلهية فكان الجزاء في صورة تلك الظاهرة.
وعندما نقول إن التآكل الروحي سنة إلهية اجتماعية؛ نقصد أنها من القوانين الربانية والقواعد الإلهية، المنظمة لعالم الأحياء، أو الأنفس، خاصة البشر.
أي أن لها أسبابًا أوجدتها.
وهذه الأسباب أوجدت خللًا.
وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي؛ أو الجزاء.
وهذا العقاب تحكمه قوانين؛ تعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية.
والأسباب أو الظروف البشرية هنا؛ هي التقصير بكل درجاته.
والنتيجة المترتبة؛ وهي حالة القسوة القلبية والانفصال عن المنظومة الكونية العابدة.
والمعادلة أو القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية هي:
(أسباب تعود إلى العبد خلل تربوي عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل) .
وتدبر هذا الحوار؛ بين العبد وربه؛ فلقد تساءل العبد ما جرمه وما سبب هذا العقاب، وكانت الإجابة منه عز وجل؛ حيث يبين الحق سبحانه هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية؛ التي تنطبق على كل من أسرف في الذنوب، وقصر في الطاعة.
ولهذا يقول: قال رب لم حشرتني أعمى"وقد كنت بصيرا 125 ؛ أي في الدنيا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى 126 (طه) فإن الجزاء من جنس العمل."
ثم يبين الحق سبحانه هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية الاجتماعية؛ والتي تنطبق على كل من أسرف في غية وكذب بآياته سبحانه:
وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى 127 (طه) .
حذار من.. المثيرات.. والقوادح !!
وأخيرًا؛ إذا كانت السنن الإلهية ما هي إلا سلسلة أو متوالية من التفاعلات يحكمها قانون رباني ثابت وعام ومتكرر إن وجدت ظروفه البشرية والمكانية والزمانية، وكأنها معادلة كيمائية تحتاج إلى ظروف معينة وعامل مساعد؛ يحركها أو يقدح شرارة التفاعل.
فعلى العبد دومًا أن يخشى أي عامل إثارة يقدح زناد معادلات القوانين الربانية؛ فتعمل عملها فيه كفرد وفي مؤسسته التي ينتمي إليها، ثم في أمته.
وهذه تسمى أيضًا مثيرات أو قوادح السنن الإلهية.