وإذا كانت الدموع المرة التي سكبها أبوالدرداء رضي الله عنه، عند أسوار قبرص في يوم من أيام الله؛ نتيجة لخشيته من خطر الذنوب على الفرد والأمم؛ فإن أفتك ما يتعرض له العبد والأمم أيضًا؛ من مثيرات للسنن الإلهية بعد الذنوب؛ هي سهام الليل التي يرسلها المظلومون!!!.
لذا ينبغي للعبد ألا يعرض نفسه لهذه الأنات المكبوتة:
ألا أقولُ لشخصٍ قد تَقَوَّى
على ضعفي ولم يخشْ رقيبَه
خبأتُ له سهامًا في الليالي
وأرجو أن تكونَ له مصيبَة.
الهوامش:
(1) سنن ابن ماجه كتاب الزهد 4235
(2) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير تفسير سورة طه 125- 126.
ظاهرة"التآكل"الروحي.. أسبابها (2 من4) د.حمدي شعيب
قال الله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى"إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) التوبة ."
هكذا قص القرآن الكريم، تلك النتيجة التي انتهت إليها حالة هؤلاء الثلاثة الكرام من جيل الخيرية؛ وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية رضي الله عنهم، حين تخلفوا عن ركب الجهاد، في غزوة العسرة؛ غزوة تبوك، وصدقوا مع الله سبحانه ثم معه صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا كما فعل المنافقون الذين اعتذروا، ولكنهم أعلنوا على لسان كعب رضي الله عنه:"والله ما كان لي من عذر" (1) . أي ليس لهم أي حجة أو عذر للتخلف. كانت تلك النتيجة؛ شعورًا غريبًا لم يألفه كعب رضي الله عنه، منذ دخوله لهذا العالم وأنسه بهذا المنهج، وكان ألمًا نفسيًا ضاقت به نفسه ضيقًا شديدًا حتى تنكر لها الوجود؛ السابح الساجد لربه.
وتأمل هذه اللمحات الطيبة:
1 التربية النبوية القرآنية، كانت سريعة وقاسية؛ ليختبر صدقهم مع الله عز وجل ثم مع النفس، وحكى عنها كعب رضي الله عنه،"فقال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه" (2) .
2 المشاركون في هذه المقاطعة، كل الخلائق، من البشر، من الجماد بل والوجود كله، استجابة وجندية وطاعة لأمره سبحانه، وتدبر مشاركة الأرض:"فاجتنبنا الناس أو قال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف" (3) .
3 لقد كانت المحنة من القسوة؛ بحيث أفرزت هذا الشعور؛ شعور أن الأرض والوجود كله يشارك في المقاطعة، والشعور أنه قد غدا شاذًا عن هذه المنظومة العابدة الساجدة الذاكرة لربها.
4 هذا الشعور لا يحسه إلا نفس مؤمنة عاشت طويلًا متناسقة ومتوافقة، وكانت معروفة لهذه المنظومة.
لقد كانت هنالك علاقة حب وود، ليس فقط مع المجتمع؛ بل مع الأرض، ومع الوجود كله، ثم انقطعت، بمجرد تقصير في طاعة لله عز وجل!.
وكم من شواذ لا يستشعرون شذوذهم!؟.
وما ذلك إلا لغياب الرابطة السابقة مع هذه المنظومة. وعندما تغيب هذه الرابطة؛ يغيب الرصيد في بنك الخير والطاعة والعبودية!.
وتأمل يونس بن متى عليه السلام، وهو يبين فضل هذا الرصيد الذي نفعه في محنته: وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى"في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 87 الأنبياء)."
إنه الرصيد العظيم للأيام العظيمة؛ للمحن المركبة، والظلمة المركبة.
5 إنه لألم عظيم أن تستشعر الرفض والشذوذ فيمن حولك، خاصة في المواقف الصعبة؛ وإنها لمصيبة كبرى أن تفتقد الرصيد، عند اللحظات الفاصلة، وهل هناك أصعب من المشاعر عند مشهد النهاية؟
وتدبر مصيبة آل فرعون، عند مشهد نهايتهم، ولحظات رحيلهم: فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين 29 (الدخان) .
فلم"تك لهم أعمال صالحة، تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها ففقدتهم، فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه"وتلا هذه الآية: فما بكت عليهم السماء والأرض . وذكر أنهم لم يكونوا قد عملوا على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم."
أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال: يا أبا العباس، أرأيت قول الله تعالى: فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين 29 ؟ فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال رضي الله عنه: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده، بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض.