فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 27345

إيمان مغازي الشرقاوي

لقد ضجّ بما فيه بعد أن كان يشكو الوحدة والفراغ، واشتكى من التخمة بعد أن كان سمته الهزال، ولطالما تمنى أن يشبع ويملأ بطنه من الحلال، ويكون له محبون من الرجال والنساء والأطفال، لكنه اليوم حزين إذ صار يعجّ بمزيد من الملابس والأزياء من كل نوع ولون، ومن كل مقاس وذوق، ومن كل جنس وبلد، ولكل طقس وجو، يفتح الأبواب لكل طالب، ويلبي حاجة من أتاه... لك الله أيها الدولاب الطيب؛ فمنذ وطئت أقدامك أرض الغرفة وأنت تئن تحت وطأة الأثقال والأحمال، وتشتاق إلى أيامك الخوالي حين كنت خفيفًا نشيطًا محل أنظار الجميع من الراغبين في الشراء.

الدولاب يا أصحاب من أثاث البيت اللازم والذي لا يخلو منه بيت في هذه الأيام، ولا يهمله غني أو فقير، أيّم أو متزوج، رجل أو امرأة. وإن اختلفت أشكال الدولاب وتفاوتت محتوياته إلا أنه قطعة أساسية في جهاز كل عروس، وقد خضع هو الآخر لموجة الموضة وطوفانها القاتل حتى أصبحت منه أشكال وألوان ولم يعد عمله مقتصرًا على حفظ الملابس فحسب، وإنما صار قطعة ديكور جميلة، وتحفة فنية ذات قيمة، وضع فيها صانعه مهارته العالية ودقته المتناهية وذوقه الرفيع، مع بصمات الزخرفة الإسلامية والفنية عليه، ولا ضير في ذلك ما لم يشدنا إلى حد الإسراف المذموم أو الترف الممقوت.

والدولاب يذكرنا بالزينة وستر العورات فقد حوى ما نتزيا به ونستتر، كما أنه يحثنا على شكر الله عز وجل بما أنعم علينا من فضل وإحسان، ومن ملابس نتجمل بها ونزدان، ويذكر القلوب الطيبة بالفقراء من الإخوان. ولا شك أننا جميعًا نحب الزينة والجمال... إلا أن لكل شيء في ديننا ضوابط وشروطًا، وكل نعمة لها نصيبها من الشكر والعطاء والإحسان، وقد بين لنا رسول ذلك فقال:"كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة" (البخاري) .

ولذلك كان إذا استجد ثوبًا سماه باسمه عمامة أو قميصًا أو رداء، ويقول:"اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره، وشر ما صنع له" (الترمذي) .

واللباس منه ما هو فرض وما هو مستحب، ومنه ما هو مباح ومكروه ومحرم، فالفرض ما يستر العورة ويدفع البرد والحر، قال تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (الأعراف:31) ، والمستحب ما يحصل به أصل الزينة وإظهار النعمة، كما قال رسول الله:"إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى نعمته عليه" (البيهقي) .

والمباح هو الثوب الجميل للتزين وخاصة في الجمع والأعياد والمناسبات لقوله:"ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي مهنته" (أبو داود) .

أما المكروه فهو لباس الكبر والخيلاء كما جاء في الحديث المذكور، واللباس المحرم هو الحرير للرجال:"حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم" (أحمد) .

وينبغي لمن أراد أن يلبس ثيابه أن يتأدب بآداب اللباس فيبدأ باليمين:"وكان رسول الله يعجبه التيمن في شأنه كله" (متفق عليه) .

وإذا أراد أن يخلعها فليسم الله تعالى ويبدأ بالجانب الأيسر، وأن يلبس الرجل الملابس التي تليق به كرجل والمرأة كذلك تلبس ما يناسبها كامرأة، قال رسول الله:"ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال" (أحمد) .

وعلى كل منهم الحرص على الاعتدال والقصد وعدم المغالاة في المظهر أو في ثمن الثوب، فالتوسط سمة لازمة لشريعتنا السمحة. وعلى كل امرأة مسلمة إذا خرجت من بيتها أن يستوفي ثوبها حقه من الشروط الشرعية له والتي حددها العلماء ولخصوها في:

"استيعاب جميع البدن إلا ما استثني ألا يكون الثوب زينة في نفسه وأن يكون صفيقًا لا يشف فضفاضًا غير ضيق لا يشبه لباس الرجل ولا لباس الكافرات وليس مبخرًا أو مطيبًا أو لباس شهرة".

من وقف أمام الدولاب ليختار ما يلبس فليتذكر الفقراء والمحتاجين ويعطيهم مما أعطاه الله، وحبذا لو قام كل منا بحملة تزكية لملابسه كل مدة من الوقت فاستغنى عن بعض منها لعار فكساه، أو فقير متعفف فأعطاه، أو يتيم محتاج فسد حاجته. وقد حرص الإسلام على ذلك فجعل من الكفارات كسوة المساكين ككفارة اليمين وغيرها، وحث رسول الله المسلم على كسوة أخيه وستر عورته فقال:"ما من مسلم كسا مسلمًا ثوبًا إلا كان في حفظ من الله ما دام منه عليه" (الترمذي) .

ومع عظمة هذا الحديث وروعته إلا أن بعضنا قد يتكاسل عنه وعندها تصاب خزانة ملابسنا بالسمنة المفرطة وتحتاج بالضرورة إلى ريجيم! لماذا؟ ألا يوجد في أسرة كل منا محتاج أو فقير؟ ألا يسكن بالقرب منا جار به عوز وفاقة؟ أما توجد جمعيات خيرية إغاثية تقوم بهذا الواجب بدلًا منا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت