الشيخ سالم جابر ـ أعده ابن شعيب المالكي
ليبيا بلد العلماء فيما مضى وهى الآن ديار القراء ، وهذه كوكبة جليلة وشموس منيرة من الذين تنسّموا عبيرها وترعرعوا على أرضها يعيش معهم... فإننا نبدأ بعلم جمع بين العلم والعمل ، وبين القول والفعل شخصيا... هو الفقيه الزاهد والعالم الناقد والواعظ الماهر والمؤلف المحقق صاحب التصانيف الغزيرة والمعارف الكثيرة الشيخ:ـ
مولده ونشأته:ـ
ولد أحمد زروق بمدينة فاس بالمغرب يوم الخميس طلوع شمس الثامن والعشرين من محرم سنة ست وأربعين وثمانمائة هجرية ، وتوفى أبويه وهو صغير فكفلته جدته وحرصت على تعليمه ؛ فكانت تأخذه معها إلى مجلس شيخها العالم الصالح أبى محمد العبدوس كلما ذهبت لتقرأ عليه مع أختيه فاطمة وأم هاني ، وكأنها أرادت لحفيدها أن يرضع لبان الفقه والعلم فيُكوّن نمو الجسد والروح والعقل والفكر... فشب محبا للعلم والمعرفة وأثرت هذه البيئة العلمية الصالحة في حياته إذ لم يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى اخذ وحفظ متون التوحيد والفقه ودرس علوم الشريعة على مشايخ فاس وعلمائها .
ثم تاقت نفسه إلى الرحلة من أجل العلم والتبحر في علوم الشريعة .
رحلاته:ـ
رحل إلى تونس ودخل الزيتونة ودرس على علماء مدينة تونس ، وأخذ عنهم ، ثم قصد كعبة العلماء ومحط أنظار الفقهاء الأزهر الشريف ، فرحل إلى مصر ومكث في الأزهر سبع سنوات ينهل من معينه ويعب من مورده ويأخذ من فقهائه علما وعملا ، من فقه وتفسير وحديث وتوحيد وتصوف وتعلم السلوك والأخلاق والعبادة والتقوى كما يتعلم العلم وأكثر من ذلك .
ثم أخذه شوق العباد وحنين الزهاد فقصد بيت الحرام للحج والزيارة ، ثم رجع إلى مدينة فاس فنشر فيها ما تعلمه وفاء منه لوطنه الأصلي ومسقط رأسه ولكن كل ذي نعمة محسود... فدبر له بعض الظلمة مكيدة فنصحه شيخه الزيتوني بمغادرة مدينة فاس فغادرها إلى مصر وبقى فيها فترة من الزمن وعكف على علم التصوف وعَلِم إن العلم والتحصيل لا فائدة منه ولا غاية له إلا إذا دلَّ صاحبه على الطريق وأخذه بيده إلى حسن السلوك وعرف أن ثمرة العلم والعمل ، وأيقن أن أعلى درجات السالكين الإحسان والتي بُيّنتْ في حديث جبريل المشهور عن مراتب الإسلام والإيمان والإحسان وحَوّل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمل ورأى التصوف الصحيح السليم من الإفراط والتفريط بعيدا عن الشطحات والبدع والخرافات والأوهام .
ولم يُلقِ الشيخ عصا الترحال... وعندما أراد الخلوة والعبادة حط رحاله في مدينة أوجلة والتي تبعد عن مدينة بنغازي حوالي 400 كم ، منقطعا للعبادة والتقوى ومازالت آثار هذا الشيخ باقية إلى الآن حيث يوجد مسجد أثرى يقال أن الشيخ كان إماما فيه ، وهذا المسجد يتميز سقفه بشكل هندسي غريب يتلاءم مع طبيعة الصحراء ، وبعض أهل هذه الواحة لا يعرفون شيئا عن علم الشيخ زروق ، وإنما يعرفونه وليًّا ينسبون إليه الكثير من الكرامات وينسبون إليه عددا من المبالغات ، وهذا جهل مركب في حق هذا الشيخ يشاركه فيه كثير من أهل بلادنا ، فلا يعرفون فقه هذا الرجل ولا علمه .
ثم استقر به المقام فختمت رحلاته بمدينة مصراتة التي تقع شرق مدينة طرابلس 200 كم على ساحل البحر .
شيوخه:ـ
صحب الشيخ زروق جماعة من المباركين لا تحصى كثرة ، بين فقيه وعالم منهم القوري والمجاصي الكبير وقرا عليهم القرآن برواية نافع المدني ، والشيخان على السطى وعبدا لله الفخار وقرأ عليها رسالة ابن أبى زيد القيرواني في الفقه المالكي قراءة وبحثا وتحقيقا ....والشيخ عبد الرحمن المجد ولي وأخذ عليه الرسالة القدسية وعقائد الطوسي في التصوف والتوحيد .
وذكر الشيخ زروق أنه أخذ عن القوري بعض التنوير وسمع عليه البخاري كثيرا وتفقه في كل أحكام عبد الحق الصغرى وجامع الترمذي وجميع هؤلاء المشايخ وغيرهم ممن اخذ عنهم المغاربة أما من أخذ عنهم من المشارقة (النور السنهوري والحافظ الدميري والحافظ السخاوى ) والذي قال في كتابه الضوء اللامع عن الشيخ زروق ( وبقى سنة مديما للاشتغال عند الجوجري وغيره في العربية والأصول وغيرها وقرأ عليه بلوغ المرام وبحث في الاصطلاح بقراءته إلى أن لقيني بمكة سنة 894هـ وصار له أتباع ومحبون وكتب )
تلامذته:ـ
ممن أخذ عن الشيخ زروق ونهل من علمه ، الإمام القسطلاني صاحب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري وغيره ، والحطاب الكبير شارح مختصر خليل والخروبى الصغير ...وممن أخذ عنه في بلاد الحجاز زين الدين القسطنطينى نزيل مكة ، والشيخ عبدا لوهاب الشعراني صاحب الميزان في الفقه ، وممن أخذ عنه من ليبيا العارف بالله الشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري نزيل زليتن ، وممن لازمه مثل ظله شمس الدين اللقاني ، وناصر الدين اللقاني الأخوان ، وقد تركا بلداهما وهاجرا منها ليتعباه ويعيشا معه في مصراتة .
مؤلفاته:ـ