د. محمد عمر دولة*
دُرُوسٌ تربويَّةٌ وأحكامٌ شرعيَّةٌ من فقهِ الحجِّ والعُمرة
(وأذِّنْ في الناسِ بالحَجِّ يأتُوكَ رِجالًا وعلى كلِّ ضامِرٍيأتِينَ مِنْ كُلِّ فجٍّ عَمِيقٍ ليشهدوا منافعَ لهم) الحج 27-28.
قال عمرُ بن عبد العزيز لما خطبَ بعرفة:"ليس السابقُ مَنْ سبقَ بعيرُه وفرسُه, ولكنِ السابقُ مَن غُفر له".فتح الباري 4/336.
مقدمة الكتاب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد،
فهذا كتابٌ مختصَرٌ في فقهِ والحج والعمرة؛ ليس الغرضُ منه استيعابَ المسائلِ الدقيقة وتتبع الفروع المختلفة.
وإنما الغرضُ تقريبُ أمهاتِ المسائلِ وبيانُ جُملةِ الأحكامِ، مع مُراعاةِ الاختصار وعدمِ الإطالة؛ ليسهلَ على الناسِ الانتفاعُ به، مُتوخِّيًا التيسيرَ في الألفاظِ والمباحثِ لتكونَ في مُتناوَلِ كلِّ أحدٍ.
وأما ذكرُ بعضِ اللطائفِ العلميَّةِ والأدلة الحديثيَّة فمَعْنِيٌّ بها طلبةُ العلمِ أكثر من غيرِهم؛ جمعًا بين ترجَمَتَي البخاريِّ في كتابِ العِلْمِ: (باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاختيارِ؛ مخافةَ أن يَقصُرَ فَهْمُ بعضِ الناسِ عنه) ، و (باب مَنْ خَصَّ بالعلمِ قومًا دون قومٍ) .
وقد اقتضَى منهجُ الكتابةِ أن أعتمدَ الكُتبَ المصنَّفةَ في المناسك أكثرَ من كُتبِ الخلاف، وأن أنقلَ كلامَ العلماءِ غالبًا بنصِّهِ وفَصِّهِ لتعمَّ الفائدةُ به.
ويتضمَّنُ هذا الكتابُ عنايةً بالمعاني التربويّة للحج والعمرة؛ فإنَّ تزكيةَ النفوسِ ثمرةُ العلمِ المبارَكِ وعلامةُ الانتفاعِ بالنصوص، كما قال الخطيبُ البغدادي في (الجامع لأخلاقِ الراوي وآداب السامع) :"ليكنْ حفظُك الحديثَ حفظَ رِعايةٍ لا حفظَ روايةٍ؛ فإنَّ رُواةَ العلمِ كثيرٌ ورُعاتَه قليلٌ".
ولا رَيْبَ أنَّ مَنْ حَجَّ واعْتَمَرَ ليُطهِّرَ نفسَهُ ويُصلِحَ قلبَه؛ فإنه يَبلُغُ المقصودَ ويُحصِّلَ المطلوبَ، كما قال ابن الجوزي:"على هذا كان حجُّ الصالِحِين"!
أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ الكريم أن يتقبَّلَ هذا الكتابَ وأنْ يجعلَهُ من العلمِ الذي يُنتفَعُ به، وأنْ يَدَّخِرَه عنده صدقةً جارِيةً لي ولمن أوقفَهُ لله عز وجل إلى يومِ الدين.
وقد أسميتُهُ (زاد الراحلين إلى الحرمين الشريفين) ؛ تيمُّنًا بزيارة الحرمين؛ أسأل اللهَ أن لا يجعلنا ممن حيل بينهم وبين ما يشتهون، ولا من الذين كره الله انبعاثَهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.
اللهم ارزقنا زيارةَ الحرمين، واجعلنا عندك من المقبولين؛ فإنك أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
محمد عمر دولة
الرابع من شهر ذي القعدة 1424 هـ
1.التشويق إلى زيارة البيت العتيق
الحمد لله الذي (أثار الغرام) إلى زيارةِ البلدِ الحرام, وحَبا أوَّلَ بيتٍ (وُضِعَ للناسِ) بمزيدِ الإنعامِ والإكرام.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمد الذي هاجر من مكة إلى المدينة. فرحل الناس إليه شوقا وحنينا, وضربوا أكباد الإبل لزيارة الحرمين. فلِسانُ حالِهم قولُ المحبِّين: والله لولا أنتَ ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلَّينا!
ورضي الله عن خير مَنْ سَكَنَ الدِّيارَ وعمّر الليلَ والنهار: آل النبي وصحابته الأطهار ومن سار على دربهم من الأخيار. وبعد, فإنّ زيارة البيت العتيق من أعظم المِنَن التي خوّلها الله عبادَه الصالحين، وأكبر النعم التي امتنّ بها عليهم كما جاء التعبير القرآني الجليل عن ذلك: (ليشهدوا منافع لهم) . [1]
1.وقد امتنّ الله عز وجل بذلك على أعظم النبيين صلى الله وسلم عليهم من لدن إبراهيم عليه السلام (وإذ بوّأنا لإبراهيم مكانَ البيت) ، كما أُوحِيَ ذلك إلى موسى عليه السلام مِنْ أُولي العزم من المرسلين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثنيّة له جُؤارٌ إلى الله تعالى بالتلبية) ، [2] واهتمّ بذلك محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين.
2.الحج شعار الأنبياء والمرسلين وأهل الحنيفية, فإبراهيم عليه السلام إمامُ الموحِّدين، وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كُونوا على مَشاعرِكم؛ فإنكم على إرثٍ من إرثِ إبراهيم) ، [3] وموسى عليه السلام منقذ بني إسرائيل. وقد فسّر البخاري العتيق بالعتق من الجبابرة؛ وأمّا محمد صلى الله عليه وسلم فقد هدى اللهُ به الناسَ إلى الدين القويم والصراط المستقيم. ورَحِمَ اللهُ النوويَّ حيث قال:"إنّ الحج من أعظم الطاعات لربّ العالمين, وهو شعارُ أنبياءِ الله وسائرِ عبادِ الصّالحين صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم أجمعين" [4] .