فهرس الكتاب

الصفحة 16493 من 27345

3.الحج من قواعد التوحيد: [5] كما قال جلَّ جلاله (وإذ يرفع إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تقبَّلْ مِنَّا إنّك أنتَ السميعُ العَلِيم ربَّنا واجعلْنا مُسْلِمَيْن لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمّةً مُسْلِمةً لك وأرِنا مناسِكَنا وتُبْ علينا إنَّك أنتَ التّوابُ الرَّحيم ربَّنا وابْعثْ فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتِك ويعلِّمُهم الكتابَ والحِكمةَ ويُزكِّيهم إنك أنتَ العزيزُ الحكيم ومَن يرغبُ عن مِلةِ إبراهيم إلا من سَفِهَ نفسَه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) . [6] وقد وَفّقَ الله جابرًا رضي الله عنه إلى التعبيرِ عن ذلك أحسنَ تعبيرٍ في حديثِ المناسكِ الطويل الجليل فقال واصفًا فعْل النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم أهَلَّ بالتوحيدِ: لبيّك اللّهم لبيّك) . ورحم الله صاحبَ الظلال حيث قال:"للتوحيد أُقِيمَ هذا البيتُ منذُ أوّلِ لحظةٍ عَرَّف الله مكانَه لإبراهيم عليه السلام وملَّكه أمرَه؛ ليُقيمه على هذا الأساس (ألاَّ تشرك بي شيئا) ؛ فهو بيتُ الله وحده دون سواه!" [7] .

وما أحسن ما استنبطه الشيخ ابن عاشور عند قول الله تعالى: (إنّ أول بيتٍ وضع للناسِ للذي ببكة مُبارَكًا وهُدًى للعالمين فيه آياتٌ بيِّناتٌ مَقامُ إبراهيم ومَنْ دَخَلَهُ كان آمِنا) "أنّ هذا البيت لمّا كان أول بيتٍ وُضِعَ للهُدى وإعلان توحيدِ الله ليكون عَلَمًا مشهودًا بالحِسِّ على معنى الوحدانية ونفيِ الإشراك؛ فقد كان جامِعًا لدلائلِ الحنيفيّة. فإذا ثبت له شَرَفُ الأوّلية ودوامُ الحُرمة على ممرِّ العصورِ دون غيرِهِ مِن الهياكلِ الدِّينيّة التي نشأتْ بعده وهو ماثلٌ؛ كان ذلك دلالةً إلهيَّةً على أنّه محلُّ العِنايةِ مِن الله تعالى؛ فدَلَّ على أنّ الدِّينَ الذي قارنَ إقامَتَهُ هو الدِّينُ المرادُ لله. وهذا يؤولُ إلى معنَى قولِهِ: (إنّ الدِّينَ عند الله الإسلام) ". [8]

4.أنّ في ذلك براءةً من الرّجس وطهارةً من الشرك: كما قال عز وجل: (وإذ بوَّأنا لإبراهيم مكانَ البيتِ أن لا تُشرِكْ بي شيئًا وطهِّرْ بيتيَ للطائفين والقائمين والرُّكَّعِ السُّجُود) . وتلك دعوةُ إبراهيم عليه السلام: (وإذ قال إبراهيمُ ربِّ اجعلْ هذا البلدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أن نَعبُدَ الأصنام) . وقد حمل شعارُ التلبيةِ هذه المعاني: (لبيّك اللّهم لبيّك. لبيّك لا شريك لك لبيّك) ، وقال القرطبي:"تطهيرُ البيتِ عامٌّ في الكُفرِ والبِدَعِ وجميعِ الأنجاسِ والدماء" [9] .

5.أنّ في الحج والعمرة اعترافًا بالربوبية لله الخالق الرازق مالك الملك ذي الجلال والإكرام: وذلك ظاهرٌ فيما يلهَجُ به الحجيجُ ويتمثّلونه بلسان الحال والمقال: (إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) . ولا ريب أنّ استشعارَ هذه المعاني وترسيخَها يدفعُ المسلمين إلى مُعانقةِ رسالتِهم في حملِ أمانةِ التوحيد، كما قال صاحبُ الظِّلال عن الحج:"إنه مؤتمرٌ جامِعٌ للمسلمين قاطبة, مؤتمرٌ يَجِدُون فيه أصْلَهم العريقَ الضاربَ في أعماقِ الزمن منذ أبيهم إبراهيمَ الخليل (مِلّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا) ، ويجدون مِحْوَرَهم الذي يشدُّهم جميعًا إليه: هذه القبلة التي يتوجَّهُون إليها: راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلِّها فوارقُ الأجناسِ والألوانِ والأوطانِ, ويَجِدُون قُوَّتَهم التي قد ينسونها حِينًا, قوة التجمُّع والتوحُّد والترابُط الذي يضُمُّ الملايين، الملايين التي لا يَقِفُ لها أحدٌ لو فاءَتْ إلى رايتِها الواحِدة التي لا تتعدَّد, راية العقيدةِ والتوحيد". [10]

6.اقتران الحج في الهدي النبوي بأعظم الأعمال: كالإيمان والجهاد، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله. قيل: ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم أيّ؟ قال: حَجٌّ مبرور) [11] . فما ظنُّك بعملٍ يجيء في الفضل بعد الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله؟!

7.تَضَمُّنُ الحجِّ والعمرةِ تكليفًا يتعلَّق بعَقْدِ القلبِ والبدنِ والمالِ:كما قال أبو الشعثاء:"نظرتُ في أعمالِ البِرِّ: فإذا الصلاةُ تُجهِد البدنَ دون المال، والصِّيامُ كذلك, والحجّ يُجْهِدُهما؛ فرأيتُه أفضل". وقال ابن الجوزي:"فالصلاةُ والصيامُ يجمعان سببين من هذه الثلاثة: عقد القلب وفعل البدن. والزكاة تجمع سببين: عقد القلب وإخراج المال. والحج يجمع الأركان الثلاثة؛ فبان فضله. ثم إنهاكه للبدن أشدُّ, وإجهادُه للمال أكثر" [12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت