فهرس الكتاب

الصفحة 16494 من 27345

8.إظهار العُبوديّة والشُّكر لله تعالى على نعمه التي لا نعرف لها حدًّا ولا نُحصِيها عدًّا، كما قال الكاساني رحمه الله:"في الحجِّ إظهارُ العبوديّةِ وشُكرُ النعمة. أما إظهارُ العبوديةِ فهو إظهارُ التذلُّلِ للمعبود, وفي الحجِّ ذلك؛ لأنّ الحاجَّ في حالِ إحرامِه يُظهِرُ الشَّعَثَ ويرفضُ أسبابَ التزيُّنِ والارتفاقِ, ويَظهَرُ بصورةِ عبدٍ سَخِطَ عليه مولاه؛ فيتعرَّضُ بسوءِ حالِهِ لعطفِ مولاه. وأما شكرُ النعمة؛ فلأنّ العباداتِ بعضها بدنيّةٌ, وبعضها ماليّةٌ, والحجُّ عبادةٌ لا تقوم إلا بالبدن والمال؛ ولهذا لا يجب إلا عند وُجودِ المالِ وصحةِ البدن. فكان فيه شكرُ النِّعْمتَيْن. وشكرُ النعمةِ ليس إلا استعمالَها في طاعةِ المُنْعِم, وشكرُ النعمةِ واجبٌ عقلًا وشرعًا" [13] .

9.إظهارُ وحدةِ المسلمين بدينهم الذي يجمعهم على اختلافِ بلدانِهم وأنسابِهم؛ تأكيدًا للدِّينِ المقدَّم على اللغة والجنس واللون والعُرف والنسب والقبيلة. وللمرءِ أن يتساءلَ عن فقهِنا لمعاني شعيرة الحجّ:"هل بدا واقعُ المسلمين بارزًا فيه صَدَى الحج؟ تلك العبادة التي تمزُج بين قلوبِ المسلمين وترسِّخ فيها وحدةَ الشعورِ ثمرةً لوِحدة الشعيرة. هل بدا كذلك؟ وهل تزوَّدَ المسلمون مِن زادِ الحجِّ وعاشُوا حُكْمَه وهم يُطبِّقُون أحكامَهُ على وجهٍ مشروعٍ مسنونٍ؟ هل تحرَّكَ ذلك الموكبُ مِن ذوي الرِّداءِ الأبيضِ الناصعِ بين المشاعرِ شامةً تُزِينُ الأرضَ يُباهِي بها الرحمن ملائكته حجيجًا مُترابِطي القلوبِ مُسلِمين على منهجِ الله؟ هل بدتْ حِكَمُ الحجِّ العظيمةُ وآثارُه الجليلةُ مُتحرِّكةً مع ذلك الموكبِ تنطِقُ بها جوارِحُ الحَجِيجِ وتبدُو شاخِصةً في مناسِكِهم؟" [14] .

10.تحقيقُ المساواةِ بين فئاتِ المجتمعِ الإسلامي: وللحاجِّ أنْ يسألَ نفسَه وإخوانَه:"هل ذابتْ الفوارقُ النفسية بين الغني والفقير والقوي والضعيف؟ وذهبتْ مع ثيابِ الحِلِّ, وبدتْ النفوسُ صافيةً حانِيةً متآلفةً لا يقلُّ صفاؤها عن صفاءِ ثيابِ الإحرام؟" [15]

11.حُصول التعارُفِ بين المسلمين على اختلافِ شُعوبِهم وقبائلِهم؛ تحقيقًا للمقصدِ الشرعي، كما قال تعالى: (يا أيُّها الناسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْناكم شُعُوبا وقبائلَ لِتَعارَفوا إنَّ أكرمَكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليمٌ خَبِيرٌ) . [16]

12.اجتماعُ أهلِ الدعوة على التفكُّرِ في أحوال المسلمين؛ تعاوُنًا على البرّ والتقوى وامتثالًا لقول الله عزَّ وجل: (ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدعُون إلى الخيرِ ويأمُرُون بالمعروفِ وينهَوْنَ عن المنكرِ وأولئك هم المفلحون) . [17]

13.لقاءُ طلبةِ العلمِ بكبارِ العلماءِ الرّاسخين. فالحجّ أقرب الأمثلة على الرحلة في طلب العلم. ورحم الله سفيان بن عُيينة فقد روى ابن سعد عن الحسن بن عمران بن عيينة أنه سافر مع عمه سفيان آخرَ حجّةٍ حجَّها فقال:"قد وافيتُ هذا الموضعَ سبعين مرّةً أقولُ في كلِّ سنةٍ: اللَّهمَّ لا تجعلْهُ آخِرَ العهدِ مِن هذا المكان. وإني قد استحييتُ مِن الله من كثرةِ ما أسأله ذلك. فرجع؛ فتوفّي في السنة الداخلة!" [18] وما زال هَمُّ طُلابِ العلمِ أن يَلْقَوا في الموسمِ أئمةَ العلمِ فيتعلَّمُون مِن علمِهم وحالهم:كما قال مالك رحمه الله في شأن أيوب السختياني رضي الله عنه:"حجّ حجّتين؛ فكنتُ أرمقه ولا أسمع منه، غير أنّه إذا ذكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه؛ فلما رأيتُ منه ما رأيتُ وإجلالَهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتبتُ عنه!" [19] ولله درّ الشيخ ابن عاشور حيث قال في تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم) :"كُنِّيَ بِشُهود المنافعِ عن نَيْلِها. ولا يُعرف ما وَعَدَهم الله على ذلك بالتعيين، وأعظمُ ذلك اجتماعُ أهل التوحيدِ في صَعيدٍ واحدٍ لِيتلقَّى بعضُهم عن بعضٍ ما بهِ كمالُ إيمانِهم". [20]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت