فهرس الكتاب

الصفحة 16495 من 27345

14.في رحلةِ الحجِّ تذكيرٌ بالرحلة إلى الدار الآخرة: ولله درّ النّسفي فقد أحسنَ في بيانِ فوائدِ الحج"وما فيه من تحمُّل الأثقالِ ورُكُوبِ الأهوالِ وخلعِ الأسبابِ وقطيعةِ الأصحابِ وهجرِ البلادِ والأوطان وفرقة الأولاد والخِلاّن, والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء؛ فالحاجّ إذا دخل البادية لا يتّكل فيها إلا على عتادِه ولا يأكلُ إلا من زادِه, فكذلك المرء إذا خرج من شاطئ الحياةِ وركب بحرَ الوفاة لا ينفع وِحدتَه إلا ما سعى في معاشِهِ لمعادِه, ولا يؤنِسُ وِحشتَه إلا ما كان يأنَسُ به مِن أورادِه. وغَسْلُ مَن يُحْرِم وتأهُّبُه ولبسُه غيرَ المخيطِ وتطيُّبُه مِرآةٌ لما سيأتي عليه مِن وَضعِهِ على سريرِه لغسلِه وتجهيزِه مُطيَّبًا بالحنوطِ مُلفَّفًا في كَفَنٍ غيرِ مَخِيط. ثم المُحرِم يكون أشعثَ حيران, فكذلك يومُ الحشرِ يخرج مِن قبرِهِ لهفان. ووقوفُ الحجيجِ بعرفات آمِلِين رَغَبًا ورَهَبًا سائلِين خوفًا وطمعًا وهم بين مقبولٍ ومخذولٍ كموقِفِ العَرَصاتِ لا تَكلَّمُ نفسٌ إلا بإذنِهِ فمنهم شقيٌّ وسعيدٌ. والإفاضةُ للمزدلفة بالمساء هو السَّوْقُ لفصلِ القضاء. ومِنَى هو موقفُ المُنَى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين. وحلقُ الرأسِ والتنظيفِ كالخروج مِن السيّئات بالرحمة والتخفيف. والبيتُ الحرامُ الذي مَنْ دَخَلَهُ كان آمِنًا مِن الإيذاءِ والقتالِ أنموذجٌ لدارِ السلامِ التي مَنْ نزلَها بقيَ آمِنًا مِن الفناءِ والزوالِ غير أنّ الجنّة حُفَّتْ بمكارِهِ النفسِ العادِيَة كما أنّ الكعبةَ حُفَّتْ بمتالِفِ البادِية؛ فمرحبًا بمن جاوزَ مهالكَ البوادِي شوقًا إلى اللقاءِ يومَ التنادي!" [21]

15.استحضارُ ذكرياتِ الصالحين مِن قَبْلِنا واستخلاصُ الدروسِ النافعة من حال إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام ولُطْف الله بعباده ورحمته بأوليائه الذين يسارعون إلى فداء دينهم بأنفسهم وأبنائهم. فـ"هو موسمُ عبادةٍ تصفُو فيه الأرواح, وهي تستشعِرُ قُرْبَها مِن الله في البيتِ الحرام. وهي ترِفُّ حول هذا البيت وتستَرْوِحُ الذكرياتِ.. طيف إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يُودِع البيت فِلْذَةَ كَبِدِه إسماعيلَ وأمَّه, ويتوجه بقلبه الخافقِ الواجفِ إلى ربه: (ربَّنا إني أسكنتُ مِن ذُرِّيَّتي بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ عند بيتِك المحرَّمِ ربَّنا لِيُقِيمُوا الصلاةَ فاجعلْ أفئدةً مِن الناسِ تهوي إليهم وارزقْهم مِن الثمراتِ لعلَّهم يشكُرون) .. وطيف هاجر وهي تسترْوِحُ الماءَ لنفسها ولطفلِها الرضيع في تلك الحَرَّةِ الملتهبة حول البيت, وهي تروحُ بين الصفا والمروة وقد نَهَكَها العطشُ, وهدَّها الجَهْدُ وأضناها الإشفاقُ على الطفل.. ثم ترجعُ في الجولةِ السابعة وقد حَطَمَها اليأس لتجدَ النبعَ يتدفق بين يدَيِ الرضيع الوضيء. فإذا هي زمزم: ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.. وطيف إبراهيم عليه السلام وهو يرى الرؤيا, فلا يتردد في التضحية بفِلْذةِ كبدِه, ويمضي في الطاعةِ المؤمنة إلى ذلك الأفقِ البعيد: (قال: يا بُنَيَّ إني أرى في المنامِ أنِّي أذبحُك فانظرْ ماذا ترى؟) فتجيبُه الطاعة الراضيةُ في إسماعيل: (قال: يا أبتِ افعلْ ما تؤمرْ ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .. وإذا رحمةُ الله تتجلَّى في الفداء: (وناديناه أن يا إبراهيمُ قد صدّقتَ الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إنّ هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم) .. وطيف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان القواعدَ من البيتِ في إنابةٍ وخُشوعٍ: (ربَّنا تقبَّلْ منا إنك أنت السميعُ العليم ربَّنا واجعلْنا مُسلِمَيْن لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مُسلمةً لك وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ علينا إنك أنت التوابُ الرَّحيم) .. ثم تتواكبُ الأطيافُ والذكرياتُ من محمد صلى الله عليه وسلم وهو يدرج في طفولته وصِباه فوق هذا الثرى حول هذا البيت, وهو يرفع الحجرَ الأسودَ بيديه الكريمتين فيضعه موضعه؛ ليطفئ الفتنةَ التي كادت تنشبُ بين القبائل وهو يصلِّي وهو يطوفُ وهو يخطبُ وهو يعتكفُ وإنّ خطواته عليه الصلاة والسلام لَتَنْبِضُ حَيَّةً في الخاطر, وتتمثلُ شاخِصةً في الضمير, يكاد الحاجُّ هناك يلمَحُها وهو مُستغرِقٌ في تلك الذكرياتِ، وخطواتُ الحشدِ من صحابتِه الكرامِ وأطيافُهم ترِفُّ فوق هذا الثرى حول ذلك البيت, تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار". [22] ورَحِمَ اللهُ الإمامَ القفَّال فقد نقل الرازي في التفسير قولَهُ عن الهَدْي:"كأنَّ المتقرِّبَ بها وبإراقةَ دمائها مُتَصَوَّرٌ بصورةٍ مَنْ يَفدي نفسه بما يُعادِلها. فكأنه يبذُل تلك الشاةَ بَدَلَ مُهْجَتِهِ؛ طَلَبًا لمرضاةِ الله تعالى واعْتِرافًا بأنَّ تقصيرَهُ يستحِقُّ مُهْجَتَهُ!" [23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت