16.إظهار الزهدِ في الدنيا والاستعدادِ للآخرة: فإنّ هذا من أعظمِ المقاصدِ التي ينالها الحاج. وقد نبّه الرّاسخون في العلم على وجوبِ استحضارِ هذه المعاني كما قال ابن الجوزي:"ينبغي للمُحْرِم أن يتصوَّرَ عند إحرامِه إجابةَ الداعي, وعند تجرُّدِهِ من المخيطِ لبسَ الكفنِ, وعند التلبيةِ نِداءَ الحق. ومَنْ تلمَّحَ العبادات بعينِ التفهُّمِ عَلِم أنها ملازمةُ رسمٍ يدلُّ على باطنٍ مقصودُه تزكيةُ النفسِ وإصلاحُ القلب؛ لأنَّ حقيقةَ التعبُّدِ هو صَرْفُ القلبِ إلى الربِّ, فلما كان طبعُ الآدميِّ ينبو عن التعبُّدِ شُغلًا بالهوى وُظّفَتْ وظائفُ تُدَرِّجُهُ لِيترقَّى من الفرائض إلى الفضائل - واعتَبِرْ جميع العبادات منها الحج - فإنه إنما وُظِفَّتْ للتدرُّجِ إلى حملِ المشاق؛ فنبَّه المسافرَ عند تركِ الأهلِ على قطعِ العلائقِ ليتفرد بخدمة الحق؛ فتفكَّرْ في ذلك وانظر بأيِّ بدنٍ تقصِده؟ وبأيِّ باطنٍ تحضُر؟ فإنه لا ينظر إلى صُوَرِكُم. وإذا أمَرَكَ الحزمُ بإكثارِ الزادِ خوفَ العَوَزِ, فاعلمْ أنّ سفرَ القيامةِ أطولُ وعطشَ المحشرِ أقطعُ! وتذكَّرْ بقطعِ العِقاب الأهوالَ بعد الموت, وبالموقفِ موقفَ القيامة, وبالتعلُّقِ بأستارِ الكعبةِ تمسُّكَ المذنبِ بذيلِ المالك, وبالسعيِ بين الصفا والمروة الفرارَ منه إليه. وعلى هذا كان حجُّ الصالحين؛ فإنهم كانوا إذا تخايلوا هذه الأشياءَ تجدّدَ لهم القلقُ هَيْبَةً للمخدُومِ وخوفًا مِن الردِّ". [24]
17.إحياء رُوحِ العبوديّةِ والخُشوعِ والذلةِ والانكسارِ؛ (ذلك ومن يُعظِّمْ شعائرَ الله فإنها مِن تقوى القلوب) . [25] ورحم الله الشيخ أحمد بن عبد الرحمن المقدسي فقد لاحظ هذه اللطائف التي لا بدّ للحاج أن يملأ قلبه منها فإنه"إذا رأى البيتَ الحرامَ استحضرَ عظمتَه في قلبِه, وشكرَ اللهَ سبحانه وتعالى على تبليغِهِ رُتبةَ الوافِدِين إليه. وليستشعرْ عظمةَ الطوافِ به؛ فإنه صلاةٌ, ويعتقدْ عند استلامِ الحجرِ أنه مبايِعٌ للهِ على طاعتِهِ, ويضمُّ إلى ذلك عزيمتَهُ على الوفاءِ بالبيعة, وليتذكَّرْ بالتعلُّقِ بأستارِ الكعبة والالتصاقِ بالملتزم لَجْأَ المذنبِ إلى سيِّدِه وقُرْبَ المحب. وأنشد بعضُهم في ذلك:"
سُتورُ بيتِكَ نَيْلُ الأمنِ منكَ وقدْ
عُلِّقتُها مُستجيرًا أيها البارِي
وما أظنُّكَ لما أن عَلِقْتُ بها
خوفًا من النارِ تُدنيني من النارِ
وها أنا جارُ بيتٍ أنتَ قلتَ لنا
حُجُّوا إليه وقد أَوْصَيْتَ بالجارِ!
ومن ذلك: إذا سعى بين الصفا والمروة ينبغي أن يمثِّلها بكِفَّتَي الميزان, وتردُّدِه بينهما في عَرَصات القيامة, أو تردُّد العبد إلى دار الملك؛ إظهارًا لإخلاصِ خِدمتِه, ورجاءَ الملاحظةِ بعينِ رحمتِه, وطمعًا في قضاءِ حاجتِه. وأما الوقوفُ بعرفة: فاذكرْ بما ترى فيهِ مِن ازدحامِ الخلقِ وارتفاعِ أصواتِهم واختلافِ لغاتِهم مَوقفَ القِيامةِ واجتماعَ الأُمَمِ في ذلك الموطنِ واسْتِشْفاعَهم. فإذا رميتَ الجمار؛ فاقصِدْ بذلك الانقيادَ للأمرِ وإظهارَ الرِّقِّ والعُبوديةِ ومُجرَّد الامتثالِ مِن غيرِ حَظِّ النفس". [26] "
18.التشبه بالصالحين المتتبِّعين آثار النبي صلى الله عليه وسلم: وقد أخرج البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم في كتاب الحج (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: العقيقُ وادٍ مُبارَك) : (قد أناخ بنا سالم يتوخّى بالمُناخِ الذي كان عبد الله يُنِيخُ يتحرَّى مُعَرَّسَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي) . ورحم الله المحبَّ الطبري ما أحسنَ قولَه:"ينبغي لمن قصدَ آثارَ النُّبوَّةِ أن يَعُمَّ بصلاتِهِ الأماكنَ التي هي"
مَظِنَّةُ صلاتِهِ صلى الله عليه وسلم فيها؛ رجاءَ أن يَظْفَرَ بِمُصَلَّى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم مِن كلِّ مكانٍ:
خليليَّ هذا ربعُ عزةَ فاعْقِلا
قَلُوصَيْكُما ثم انزِلا حيثُ حَلَّتِ
ومسّا ترابًا طيِّبًا مسَّ ذيلَها
وبيْتًا وظِلًا حيثُ باتَتْ وظَلَّتِ
ولا تيْأسا أن يعفوَ الله عنْكما
إذا أنتُما صلَّيْتُما حيثُ صَلَّتِ" [27] "
فهذه الأرض قد وطئتها أقدامُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفاحت في أرجائها أنفاسه الطاهرة, وسار في جنباتها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير... رضي الله عنهم أجمعين
وأستشرف الأعلام حتى يدلّني
على طِيبِها مَرُّ الرياحِ النَواسِمِ
وما أنسمُ الأرواحَ إلا لأنها
تمرّ على تلك الرُّبَى والمعالِمِ!