أ. محمد العبدة 20/9/1423
لا نبعد عن الصواب إذا قلت أن افتقاد الرجال القادة هو ما يعاني منه المسلمون، وخاصة في العقود الأخيرة، وقد شكل هذا الافتقاد أزمة إدارية - فكرية (1)
، وعندما ننبه على خطورة هذا الأمر والحاجة إلى قيادة تجمع بين العلم والعمل وترشد إلى الطريق الصحيح، فلا يعني أننا نؤيد نظرية من يقولون بتأثير الفرد الواحد. أو انتظار البطل الذي يقود الجموع، ما نقصده هو إيجاد الشخصية القيادية المؤهلة لتحمل الأعباء والتكاليف والمهمات الصعبة وعندها القدرة على فرز الأولويات والتعامل الذكي مع الواقع، شخصية مؤهلة إيمانيًا وعقليًا وإداريًا، كما لا نؤيد من يقول إن الظروف غير مهيأة اليوم، وأن طبيعة المرحلة لا تنجب مثل هذه الشخصية، فهذا كلام محبط للآمال، فالتربية والإعداد والممارسة العملية وممارسة الشورى على حقيقتها، يمكن أن يأتي بهذه الشخصية.
وإذا كانت التربية بالقدوة من أساليب الإعداد الناجحة، فإن أعظم القادة الذين يُتأسى بهم هم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق إيمانًا وعلمًا وعملًا، وهم هداة الناس إلى كل خير، وقادة الأمم إلى ما فيه صلاحهم، ولقد أثر القرآن في ذكر صفات هؤلاء الرسل، وذكر أخلاقهم وسجاياهم وأعمالهم وصبرهم، وأكد القرآن على أن جاذبية هؤلاء الرسل لا تنبعث من مغريات مادية، ولا جاء عريض أو لقب كبير ، وليس عندهم نفع يملكونه فيوزعونه، وليست لهم خزائن الأرض، ولا في أيديهم الأرزاق، عرض القرآن صفاتهم وجردهم من كل تلك المغريات، وواجه الأمم في ذلك، قال تعالى على لسان نوح - عليه السلام- ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك..) [هود: 31] .
( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ولولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيرًا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا انظر كيف ضروا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا ) [ الفرقان 7-10] .
جَنَّب الله الرسل وأبعدهم عن تلك المغريات، وكذَّب الذين يظنون أن الرسل يجب أن يكونوا من أهل المظاهر التي يفتخر الناس بها: ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) [ الزخرف: 31] فجاذبية القائد تأتي من أخلاقه وأعماله وارتباطه بالله - سبحانه وتعالى-، لا يريد جزاءً ولا شكورًا ، لا يجمع الأتباع بالمغريات المادية أو بالمناصب يوزعها عليهم ( وبعض المعاصرين يستحدث مناصب وهمية ليرضي أتباعه) ولا تكون القيادة بالمداهنة ومحاولة استمالة الجموع وستر أخطائها، وإخفاء أغلاطها، وتجاهل مواضع ضعفها، فالقيادة التي تمارس هذه الأمور قيادة مزيفة لا تستطيع أن تخفي عوارها طويلًان وسرعان ما تنفض عنها الجموع.
الرسل القادة في القرآن الكريم:
تحدث القرآن عن ذلك الهم الذي يحمله الرسول بين جنباته، وذاك الحرص الشديد على إيمان قومه، وهذا القلق الذي يقيمه ويقعده خوفًا عليهم ألًا يؤمنوا ( فعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) [ الشعراء:3] ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا) [ الكهف: 6] .
وقد مَنَّ الله على الناس أن بعث فيهم رسولًا منهم يعرفهم ويعرفونه ويتكلم بلسانهم، ومهمته أن يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) [ التوبة: 128] . كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رؤوفًا بالمؤمنين يصل قلبه بقلوبهم، وروحه بأرواحهم، يتقاسم وأصحابه السراء والضراء، إنها قيادة فيها حنان وعطف، وعندها علم بواقع الضعف والقوة عند البشر، وتعامل كلًا بما يناسبه، فهي رحيمة عادلة، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يتفقد أصحابه ويتتبع أحوالهم ويسعى في حاجاتهم، وكانت الأَمَةُ من إماء المدينة تأخذ بيد النبي - صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت في سبيل قضاء حاجة لها. إنها سهولة الخلق ويسر الدين.