والصدق طريق البر والجنة على عكس الكذب الذي هو طريق الفجور والنار، فعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا] رواه البخاري ومسلم.
مجالات الصدق في حياة الدعاة:
الصدق في القصد: ويستلزم إخلاص النية لله في الدعوة وفي كل طاعة وقربة، فلا يدعو لطلب جاه ولا محمدة ، ومتى دخل شيء من هذه الشوائب النية خرج الإخلاص المشروط لقبول العمل، ومتى حصل الصدق في القصد وتحقق الإخلاص؛ أثمر ذلك عزيمة صادقة وإرادة ماضية، فلا يتوانى الداعي الصادق عن المضي في إيصال الحق والخير للناس ينبغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، يتعلم ويعلم، ويتوخى الحق أينما كان .
الصدق في القول: ويستلزم أن لا ينطق الداعي بالباطل أيًا كانت صورة هذا الباطل كذبًا أو شتمًا، أو سبابًا أو لعنًا، أو فحشًا، أو غيبة، أو نميمة، أو قول الزور .. وعلى الجملة فهو أبعد الناس عن آفات اللسان . هذا ما يمس حياة الدعاة وسيرتهم الذاتية .
الصدق في العمل: بموافقة القول العمل، وموافقتهما هدي الكتاب والسنة، و لا يدعو إلا على بصيرة، ومعرفة بالحق ودليله، وبعد تبصر وتفقه، فالدعوة لا تصح إلا على بصيرة .. ولا يعظ الناس إلا بالصادق من القصص والأمثال، ويبتعد عن الكذب والدجل والأحلام والرؤى التي لا يعرف مصدرها ولا صدقها ولا عدالة صاحبها ولا ثبوتها عنه .. فدين الله عز وجل مصدره الكتاب والسنة وفهم السلف .
أثر الصدق في نجاح الدعاة:
للصدق أثره البالغ في مسيرة الدعاة، إذ يظهر الصدق في كلام الداعي، وسمته، ولهجته، وحرارة عاطفته، فيؤثر ذلك في المدعوين، ويترك فيهم انطباعًا عميقًا بمصداقية الفكرة التي يدعو إليها ويؤمن بها . ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الذين يلقونه أول مرة فيقولون: والله ما هذا بوجه كذاب ولا بكلام كذاب! وإذا كان المسلم مطالب بالصدق في الأقوال والأعمال والمقاصد فلا جرم أن الدعاة إلى الله تعالى وهم صفوة المسلمين، الصدق في حقهم ألزم وأوجب .
وللصدق أثره الحميد في التآلف والتوادد وتقارب القلوب، على عكس الكذب الذي يغرس الضغينة، ويرفع الثقة، ويورث الريبة بفعل التلون والتغير وعدم الثبات الذي يتصف به الكاذب، ومن هذا المنطلق كان من لوازم الصدق ترك كل آفات اللسان كالهمز واللمز والقيل والقال وكثرة السؤال . ومتى تآلفت القلوب وتصافت واجتمعت على محبة الله؛ سرت الدعوة في المجتمع سريان الماء في الزرع فأمدته بالحياة والنماء والبقاء، ونمى في المجتمع ـ كذلك ـ الإيمان واستوثقت عراه وارتفعت أعلامه .
والصدق يزرع في النفوس الثقة والطمأنينة، فيركن الناس إلى الدعاة الصادقين، ويثقون فيهم وبهم ويأمنونهم، وتقوية هذه الوشائج بين الدعاة والمدعوين من أهم أسباب نجاح الدعوة، ولا يتحقق ذلك إلا بالصدق . ومتى وثق الناس في الداعي لصدقه؛ فتحوا له القلوب فاستمعوا إليه إذا تحدث، وقبلوا إرشاده وتوجيهه إذا وجّه وأرشد، وتوجهوا إليه يسألون ويستفتون .. وحصل التواصل بينه وبينهم وهي نعمة لا تقدر بثمن ولم تحصل إلا بفضل الله، ثم بفضل الصدق، ونقاء الصفة، وخلو السيرة من مساوئ الأعمال والأخلاق ... نسأل الله الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد، والصدق في القول، والعمل، والمقصد .
من كتاب:'صفات الدعاة' للدكتور/ عبد الرب بن نواب الدين