فهرس الكتاب

الصفحة 12216 من 27345

بقلم عمر مناصرية

"...ونقصد بالبنائية ، المنهجية التي انتظم وفقها الإسلام في تنزله على الأرض ، وانبنائه في النفوس ، والتي لابد حكمت هذا التنزل والانبناء منذ لحظاته الأولى ، ورافقته في كل أطواره ، حتى اكتمل في شكله النهائي ."

عندما ننظر إلى الإسلام كدين عظيم ، لابد أن تثيرنا تساؤلات عديدة عن سبب قدرته وميزته التي خلدته كدين خاتم على الأرض ، وجعلته قويا إلى هذا الحد ، مستعصيا على كل محاولات الهدم والضرب ، قديما وحديثا ، ولابد كذلك أن السبب لا يعود إلى المسلمين ، أو إلى قوتهم أو ضعفهم ، إذ الإسلام منتشر في حالات قوتهم كما في حالات ضعفهم ، خاصة وأن القرآن ربط المسلمين بالإسلام وليس العكس ، كما نجد ذلك في كثير من سور القرآن وآياته ، من مثل ما نجده في سورة التوبة ، حيث يقول الله عز وجل: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ، ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} . فمشروع الإسلام ماض بهم أو بغيرهم .

لذا فالبحث عن أسباب القوة في الإسلام ، يحيل بالضرورة إلى دراسة بنائيته ، والعلاقات بين عناصره ، وشكل هده العلاقات ونمطها ، وطريقة تنظمها ، وليس بالعودة إلى واقع المسلمين دائما . وهذا من شأنه أن يقلب المسألة من البحث في أسباب ضعف المسلمين اليوم ، إلى البحث عن أسباب القوة في الإسلام ...

ونقصد بالبنائية ، المنهجية التي انتظم وفقها الإسلام في تنزله على الأرض ، وانبنائه في النفوس ، والتي لابد حكمت هذا التنزل والانبناء منذ لحظاته الأولى ، ورافقته في كل أطواره ، حتى اكتمل في شكله النهائي .

و أهم ما يمكن ملاحظته على هذه البنائية ، هو أنها تحكمها ثلاث مبادئ أساسية ، هي:

1-البناء من الكل إلى الجزء: حيث يتم البناء في الإسلام دائما من الكل إلى الجزء ، ومن الأصل إلى الفرع حتى يكتمل ، فهو يبدأ كأصل واحد ، أوكفكرة كلية ، هي فكرة الوحدانية التي تأخذ في النمو والتشكل في اعتقادات وعبادات ومعاملات وأركان وسنن ، إلى أن تصل إلى الممارسات ذات الطابع الدقيق ، المرتبطة بأدق التفاصيل في الحياة ، كالآداب العامة المتعلقة بالضرورات البسيطة للمسلم ، في أكله وشربه ونومه ولباسه وغير ذلك ، كما يشير إلى ذلك الحديث النبوي الشريف:"الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".

وهذا البناء مماثل لما يحدث في الطبيعة ، حيث كل شيء فيها ينبني من الكل إلى الجزء ، ومن الأصل إلى الفرع ، وأبسط مثال على ذلك ، هو النمو الشجري للنبات والأشجار ، حيث نجد أن كل الأشجار لها بنائية واحدة ، تمتد من الأصل الكبير ، إلى الغصن ، إلى الفرع ، انتهاء بالأوراق التي إذا لاحظناها وجدنا أنها تتبع نفس النمط من النمو والتشكل .

ونجد ذلك أيضا لدى الحيوان والإنسان ، حيث تتدفق عملية البناء وفق النمط السابق ، سواء في بنائهما الداخلي أو الخارجي . فمن الداخل تتم عملية البناء من الهيكل العام ، إلى الأجهزة ، إلى الأعضاء المتكونة بدورها من عناصر أبسط منها ، حتى الوصول إلى الكائنات الدقيقة وهي الخلايا ، ومن حيث الشكل الخارجي نجد أن كل كائن حي يتكون من كتلة أساسية هي الجذع، ومن أطراف وفروع أصغر وأبسط كلما امتدت الملاحظة إلى الخارج .

وهذه الكتلة الأساسية هي التي تعمل على ضم المكونات الأخرى إليها ، بينما تمنحها الأطراف والمكونات الصغرى القدرة على التعامل والحركة والتفاعل مع البيئة الخارجية ، مما يسمح للكائن الحي ككل بأداء وظيفته على أحسن وجه.

لكن قد يثور تساؤل مهم ، وهو أن ما يحدث في الطبيعة حقا ، معاكس لهذا الوصف ، إذ أن كل شيء يبدأ خلية ، ثم يأخذ في التمظهر والتشكل في تنظيمات أكبر وأوسع ، حتى ينتهي البناء الحي ويكتمل .

والحقيقة أن هذا يتعلق بمادة البناء التي هي الخلية ، ولا يتعلق بمنهج البناء وطريقته التي تتم من الكل إلى الجزء . فمادة البناء هي الخلية في كل كائن حي، إلا أن ما يعطي شكل الكائن وبنائيته هو هذه المنهجية المحكمة ، التي تعني الوعي والقصد من الكائن ، ولولا ذلك ، لما اتخذ أي كائن أي شكل مطلقا ، ولصارت الكائنات عبارة عن أشكال مائعة ، غير ذات وحدة أو شكل يمنحها الصلابة والقوة .

إن هذه المنهجية هي التي تعطي القوة للإسلام ولغيره من الكائنات الحية أو الفكرية ، حيث لولاها ، لما كانت قادرة على الحفاظ على وحدتها البيولوجية أو الفكرية، ولما كانت قادرة على أداء دورها الوظيفي في الحياة .

وبالنظر إلى الإسلام وفق هذا الأساس يمكننا أن نفهم الكثير من الأمور ، خاصة إذا تعمقنا فيها ، فنفهم لماذا جاء بأركان أساسية ، كالصلاة والزكاة والصوم ، ولماذا فرضت في وقت معين دون آخر ، أو لماذا اتسمت المرحلة المكية ببناء الأصل أوالكل ، وهو البناء العقدي ، أو لماذا تنضاف السنة دائما إلى الفرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت