فهرس الكتاب

الصفحة 15024 من 27345

السؤال:

ما حكم الشرع فيمن يسب الأموات ، أو يذكرهم بسوء ، أو يكشف سوءاتهم و يتتبع عوراتهم ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

إن الله تعالى جعل حرمة المسلم من أكبر الحُرمات ، و أوجب صونها على المسلمين و المسلمات ، و هذا ما فهمه السلف قبل الخلف ؛ فقد روى ابن حبان و الترمذي بإسنادٍ حسن أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نظر يومًا إلى الكعبة فقال: ( ما أعظمَكِ و أعظمَ حُرمتِكِ ! و المؤمنُ أعظم حُرْمةً مِنْكِ ) .

و حرمة المسلم غير مقيدة بحياته ، بل هي باقية في الحياة و بعد الممات و يجب صونها و الذب عنها في كلّ حال ، و على كلّ حال .

روى البخاري أن عبد الله بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما شهد جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها بِسَرِفَ فَقَالَ: ( هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوهَا وَ لا تُزَلْزِلُوهَا و ارْفُقُوا ) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [ كما في فتح الباري: 9 / 113 ] : يُستفاد من هذا الحديث أنَّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته ، و فيه حديث ( كسْرُ عَظْمِ المؤمن ميْتًا كَكَسرِهِ حيًا ) أخرجه أبو داود و ابن ماجه و صححه ابن حبان . اهـ .

قلت: هذا الحديث حسَّن الجلال السيوطي في الجامع الصغير إسناده عن أم سلمة رضي الله عنها ، و ليس كما قال ، و سكت عن بيان درجة إسناده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، و هو إسناد صحيح ، فتنبه .

و من المعلوم أن نصوص الشريعة جاءت بتحريم سب المسلم على الإطلاق و لم تفرِّق في النهي بين الأحياء و الأموات ، و شددت في الوعيد لمن سبَّ مسلمًا و من ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ ) رواه الشيخان و غيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

قال الحافظ ابن حجر: ( في الحديث تعظيم حق المسلم ، و الحكم على من سبه بغير حق بالفسق ) .

و روى مسلم في صحيحه و أبو داود و الترمذي كل في سننه ، و أحمد في مسنده ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال: ( المستبان ما قالا فعلى البادئ ، ما لم يعتد المظلوم ) .

أي أنَّ إثم ما يقع من سباب المتسابَّيْن ينوء به الأول ، لأنه المتعدِّي ، و المتسبب في الإثم فيبوء به كلُّه ، إلا إن تطاول المنافح عن نفسه فزاد في الانتصار لنفسه عن القدر المشروع في دفع الظلم ، فيلحقه حينئذٍ إثم الزيادة و التعدي ، كما نص على ذلك الإمام النووي رحمه الله و غيره من شراح الحديث .

و هذه النصوص و غيرها تراعي حرمة المسلم دون تفريق بين حال حياته ، و ما بعد مماته ، و يستفاد منها مجتمعة أن سبَّ المسلم على العموم كبيرة مفسّقة .

فإذا أضيف إليها ما جاء في النهي عن سبِّ الأموات على الخصوص ، صار التحريم آكَد و النهي أبلغ .

روى البخاري و النسائي و أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) ، و قد بوَّب البخاري على هذه الحديث في الصحيح ، فقال: ( باب ما ينهى من سبِّ الأموات ) .

و علَّل بعض أهل العلم النهي عن سبِّ الأموات بما يلحق الأحياء بسببه من الأذى الذي لا يبلُغ الميت بحال .

قال ابن حبان في صحيحه: ذكر البعض من العلة التي من أجلها نهى عن سب الأموات ، ثم روى بإسناده إلى زياد بن علاقة أنه سمع المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء ) [ صحيح ابن حبان: 3022 ] .

قلتُ: و روى هذا الحديث الترمذي في سننه ، و أحمد في مسنده ، و حسنه الطبراني في معجمه الصغير ، و ليس كما قال ، بل في إسناده مقال ، و إن كان معناه صحيحًا محتملًا ، و الله أعلم .

ثُمَّ ؛ إذا كان السبُّ يصدق على مطلق الشتم أو الطعن في الخصم بالقول ، فقد أشكل تحريم سب المسلم بعد موته على من تعارضت في نظره النصوص ؛ ففي مقابل ما تقدم من الأدلَّة على التحريم ، نقف على ما رواه الشيخان و غيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال: ( وجبت وجبت وجبت ) . ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال: ( وجبت وجبت وجبت ) . فقال عمر: فدى لك أبي و أمي ، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت: ( وجبت وجبت وجبت ) و مر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: ( وجبت وجبت وجبت ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة و من أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت