فهرس الكتاب

الصفحة 13104 من 27345

تصحيح أكبر خطأ في تاريخ الإسلام الحديث

الأستاذ أنور الجندي

تكشفت في السنوات الأخيرة حقائق كثيرة كانت خافية وأذيعت أسرار كثيرة ظلت في طي الكتمان أعوامًا وأجيالًا. وقد كان لظهور هذه الحقائق والأسرار أثرها البعيد في مجالات مختلفة وأمور كثيرة وكان أبرز هذه الوثائق"بوتوكولات صهيون"وكانت قد أصبحت كالمسلمات مما استدعى إعادة النظر فيها ومراجعتها من جديد. وكان من أبرز هذه الأمور ما اعترض تاريخ الإسلام الحديث من مواقف ارتبطت بالدولة العثمانية والصهيونية العالمية ومحاولة استيلاء اليهود على فلسطين، ففي خلال هذه الفترة من حياة الدولة العثمانية كانت المطامع المتضاربة بين الدول الغربية من ناحية والصهيونية العالمية من ناحية أخرى قد عملت على حجب كثير من الحقائق وتزييف جانب آخر منها في محاولة عاتية لتمزيق الوحدة الإسلامية للإنالة من الخلافة الإسلامية ولفتح الطريق للقوى الصهيونية إلى فلسطين وإقامة الحواجز الإقليمية العميقة بين أجزاء العالم الإسلامي وخاصة بين أقطار البلاد العربية وذلك حتى تتمكن هذه القوى الجديدة من الوثوب والسيطرة باعتبارها شريكًا للاستعمار الغربي وبديلًا عنه من خلال مطمع عقائدي يرتبط الميعاد وبتاريخ قديم لليهود متصل بها ومن خلال هذه المحاولات الواسعة زيف تاريخ الإسلام الحديث ووضعت خطط وكلمات ومصطلحات أصبحت بمثابة المسلمات التي رددتها كتب المدارس وأبحاث الجامعات ومقالات الصحف على أنها التصور الحقيقي للأمور وكلها تقول: بالسلطان الأحمر والاستعمار التركي والاستبداد العثماني والصراع بين العرب والترك والقومية الطورانية. ومن هنا نشأ تصور ما زال مطروحًا في أغلب كتب التاريخ والأدب العربي وخاصة في المناهج المدرسية والجامعية قوامه:

أن السلطان عبد الحميد كان رجلًا مستبدًا ظالمًا، وأنه كانت يلقى خصومه بالعشرات في الدردنيل وكانت له قوى ضخمة تشتغل بالجاسوسية وتصادر الحريات.

أن الدولة العثانية كانت دولة مستعمرة سيطرت على البلاد العربية بالقوة وجنت إليها ثمراتها وتركت تلك البلاد فقيرة ضعيفة.

أن الاتحاديين في الدولة العثمانية كانوا قوة تقدمية عصرية بينما كانت القوى الأخرى قوى رجعية متخلفة.

أن دعوة السلطان عبد الحميد إلى الوحدة الإسلامية كان قد تجاوزها الزمن وفات أوانها وأن الدعوات القومية كانت هي أسلوب العصر.

منذ أن عقد مؤتمر بال في سويسرا عام 1897 م بزعامة الصحفي اليهودي هرتزل وبعد صدور كتاب الدولة اليهودية بقلمه كان قد انفتح مجال جديد للعمل في مواجهة العالم الإسلامي لشق الطريق إلى فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود بها من خلال مخطط القوى الاستعمارية التي كانت قد انطلقت منذ 1799 م إلى مصر تحت اسم الحملة الفرنسية ثم إلى الجزائر 1830 م ثم إلى مصر مرة أخرى 1882 م وإلى تونس قبل ذلك بعام واحد، وفي هذه المرحلة كان الصراع قويًا بين الاستعمارين الفرنسي والإنجليزي في المنطقة التيس تضم الدولة العثمانية التي كانت تمثل الوحدة العربية التركية - ولكي تكتمل الصورة فإن هولندا كانت قد سبقت ذلك بوقت طويل بالاستيلاء على الملايو وجاوه وما يطلق عليه الآن إندونيسيا وكانت بريطانيا قد احتلت الهند وكانت أجزاء من الخليج قد سقطت في أيدي إسبانيا والبرتغال ثم ورثتها بريطانيا وكان هذا كله جزءًا من مخطط الاستعمار الغربي الحديث الذي تكامل في نهاية الحرب العالمية الأولى بإيقاع الصراع بين العرب والترك في المناطق الغربية (الحجاز والشام والعراق) وحلول فرنسا وإنجلترا بدلًا من الدولة العثمانية في هذه المناطق بعد معركة أدارتها إنجلترا بقيادة لورنس الذي وصف في يوم من الأيام بأنه ملك العرب غير المتوج.

كان المخطط معدًا لأن تعطي فلسطين في هذا المسرح الذي مثلت عليه هذه الرواية كلها للصهيونية العالمية. وأن استيلاء بريطانيا على فلسطين عام 1948 م كان تمهيدًا لأن تقع بما فيها المقدس في أيدي اليهود.

ومراجعة الأحداث تنبئ بهذا التخطيط الواسع البعيد المدى الذي بدأ منذ وقت باكر يسبق لقاء هرتزل للسلطان عبد الحميد. وهو في حقيقته صراع بين إرادتين. الإرادة الأولى: هي إرادة السلطان عبد الحميد الذي تولى الملك في سبيل الوحدة في مواجهة الاستعمار تحت اسم الجامعة الإسلامية لتعمل مع جميع مسلمي العالم خارج نطاق الدولة العثمانية ولتوحيد كل القوى والمذاهب والأقطار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت