فهرس الكتاب

الصفحة 21229 من 27345

د. بدران بن الحسن - د. فريدة صادق زوزو 13/7/1425

أهمّية التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي درج عليه المسلمون منذ عصر الصحابة يحتاج إلى تأمّل ونظر وتدبّر، ذلك أنّ هذا التأسّي إمّا وقع فيه إفراط أخرجه عن غايته، وإما وقع فيه تفريط أدّى إلى الطّعن في صاحب الرّسالة صلى الله عليه وسلم، وذلك طبعًا بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم.

كما أنّ التأسّي منذ عصر التدوين قُصِر في الغالب الأعمّ على التأسّي الفقهيّ، وما يتعلّق بالعبادات والشعائر، ولا يكاد يخرج من دائرة الحلال والحرام، ولست أدري لماذا إذا ذكرت القدوة أو التأسّي يذهب ذهن المسلم إلى اتباع السّنة بالمفهوم الذي صاغه الأصولّيون والفقهاء فيما يتعلق بالجانب التشريعيّ، رغم أنّ القرآن الكريم جاءت فيه آيات كثيرة تدعو إلى مطلق التأسّي والاقتداء. قال الله تعالى: (لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ...) [الأحزاب: من الآية21] ، وقال عزّ وجلّ: (...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...) [الحشر: من الآية7] ، وقال تعالى: (...فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ... ) [النور: من الآية63] ، وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128] .

وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ...) [الجمعة: من الآية2] وغيرها من الآيات القرآنيّة الكريمة.

والمعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالإسلام، والاسلام ليس تشريعًا فحسب، بالرغم من مركزيّة قضيّة التشريع، بل هو هداية للانسان في كل أبعاد شخصيّته.

لهذا لا بد من تأسيس علم التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يعمل هذا العلم على دراسة واستكناه الدوائر التي يشملها التأسّي، وكيفيّته، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجًا لكل مسلم في كل أبعاد شخصيّته؛ في رؤيته للحياة والكون، في فعاليته، في منهجيّته، في دوره كحاكم،ومربٍ، ومبلغ، وداعية، ومجتهد، وأب، و ...

دور الصحابة رضي الله عنهم في فهم التأسّي:

ولا شك أنّ بناء هذا التأسّي على أسس متينة من الفهم لحقيقة التأسّي، يقتضي معايشة الصحابة رضوان الله عنهم، وهم مقبلون بكليّتهم على استلهام النموذج النبويّ أثناء وجوده بين ظهرانيهم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

وأهمية معرفة الكيفيّة التي فهم بها الصحابة التأسّي تشكل قاعدة مركزيّة وأساسًا في سبيل بناء منهج التأسّي، باعتبار أنّ الصحابة شهدوا نزول الوحي، وعاصروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسدّدهم ويصحح فُهُومهم وأعمالهم، ويوجّه بصائرهم إلى معاني الهداية والاقتداء، فحقّقوا صفة الخيريّة بشهادة الله ورسوله؛ الخيريّة في تحقيق الوعي؛ وعي الرسالة، والعمل، والاتباع، والطاعة، والتأسّي، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فقد حافظ كل صحابي على شخصيّته المتميزة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكلهم صورًا مكرّرة له، ولم يكونوا يريدون أنْ يكونوا صورًا مستنسخة منه، رغم تقديرهم لقيمته، وتضحيتهم في سبيله، وطاعتهم المطلقة له عليه الصلاة والسلام، ورغم أنّه أعاد صياغة شخصياتهم، أو بتعبير الصحابة رضوان الله عنهم:"كان رسول الله يفرغنا ثم يملؤنا".

تأسّي مجموع الصحابة يشكل نموذجًا للتأسّي الكلّي:

وفهم الصحابة للتأسّي له جانب مرتبط بشخصيّة كل منهم، وبمجموع هذه التأسّيات -إنّ صح التعبير-تشكل النموذج الكلّي للتأسّي الذي صاغه الصحابة رضوان الله عنهم، بشكل علميّ توفّرت فيه الممارسة العملية والاحتكاك بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ومشاهدته وهو يبني النموذج لبنة لبنة.

ولو أخذنا أيّ صحابي كمثال أو نموذج لوجدناه يمثل أحد جوانب التأسّي الكلّي لجيل الصحابة رضوان الله عنهم.

وفي مقالتنا هذه نريد أن نأخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجًا نحاول من خلاله تبيّن كيف فهم الصحابة التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

نموذج التأسّي العمريّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت