فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
واختيارنا لعمر رضي الله عنه يرجع لمواصفات وخصائص توفرت له تساعدنا أكثر على فهم نموذجه في الاقتداء، ذلك أنّه كان أقرب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر الصّديق رضي الله عنه، وأكثرهم حضورًا في تشكل الدّعوة والدّولة والأمّة، وأُتيحت له فرصة الافتاء (1) ، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوزارة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والخلافة لمدة تزيد على العقد من الزمن، وأنشأ من الدواوين وأحدث من العمال الكثير الكثير، وتوسعت في عهده رقعة بلاد الاسلام، وأول من جمع القرآن في المصحف (2) ، وموافقاته للقرآن أشهر من أنْ تذكر.
والدارس لسيرة عمر رضي الله عنه، والمطلع على مروياته، ينتبه إلى مفارقة تستحقّ التأمّل؛ فهو من جهة كثير الحضور والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جهة أخرى نجد أنّ مرويّاته من القلّة بحيث تُعدّ على الأصابع.
ألم يكن عمر يقدّر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ألم يكن عمر يهتمّ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ألم يكن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
إذا كان يتبعه فكيف يجادله ويناقشه في كل أمر لا يستوعبه؟!
وما محلّ اعتبار عمر؟!
وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، يقول به"؟!
لو كان التأسّي رواية الحديث فقط ونقل أقوال الرسول-صلى الله عليه وسلم- وملازمته دائما لما وسع عمر أنْ يتجاهل هذا، ولكان أكثر الصحابة حفظًا ورواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولو كان التأسّي إعمالا لما رود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون تفهّم لما أوسع في الاجتهاد بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بل وحتى في حياته -كما سبق ذكره- ولما أنشأ من المصالح والدواوين ما لم يكن من قبل في مرحلة النبوّة.
ولو كان التأسّي يقتضي اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- دون تفهّم وتعليل ومحاولة استيعاب، لما كان من عمر أن يجادل ويناقش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من المواضع، مثل: أسرى بدر، ويوم الحديبية، والصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول، ولما كان منه أن يقترح ويبدي رأيه لرسول الله في مواضع عديدة.
ولو كان التأسّي ظاهريًا لما وسع عمر قطع شجرة الحديبية، أو أحجار منى، أو إيقاف إعطاء سهم المؤلّفة قلوبهم.
ولو كان التأسّي مناقشة كل ما يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعقله، لما كان من عمر أنْ يقول مقالته عن الحجر الأسود وهو يُقَبِّلُه، وهو يعلم أنّه يقبّله لأنّه رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبله، ويعلم أيضا أنّه حجر لا يضرّ ولا ينفع.
إنّ عمر رضي الله عنه لو لم يكن متبعًا لرسول الله ومتأسيًا به لما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الحق ينطق على لسانه" (3) . كما أن السلف فهموا من حديث:"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (4) الخلفاء الأربعة، وبالأخص الشيخان؛ أبو بكر وعمر، كما جاء في الطبقات لابن سعد من حديث سفيان بن عيينة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (5) .
هذا القبول الذي لاقاه عمر من الأمّة منذ عهد الصحابة، وهذه الشهادة له من النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، تجعل منه من أقرب الناس إلى النبي وسنته، مع أنّه قليل الرواية، وكثير الانجازات التي لم تكن معروفة في الأمّة قبله.
من هنا نفهم أنّ عمر رضي الله عنه فهم اتباع السنة والتأسّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به على أنّه اتباع لطريقة ومنهج وعادة (6) النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الوحي، وسيرته التي سلكها في تبليغ الرسالة وتحقيق النموذج الأمثل للاقتداء، وتحقيق هداية القرآن في الناس.
ورغم اشتراك الصحابة رضوان الله عنهم في أصل الاتباع إلا أنّ كل صحابّي له ميزته في اتباع السنة، شكّلت شخصيّته، وتوافقت مع روحه، فإذا كان عبد الله بن عمر يتتبّع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه وجلوسه واستظلاله، فإنّنا نجد عمر بن الخطاب له منهجه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسّي به، يمكن لنا أنْ نعتبر أنّ منهج عمر رضي الله عنه في فهم التأسّي يقوم على عدة قواعد مميّزة لخطّ عمر الذي صاغه فيما بعد من تأثروا به:
قواعد منهج التأسّي العمريّ برسول الله صلى الله عليه وسلم:
أول هذه القواعد: أنّ عمر رضي الله عنه كان يعتبر الاقتداء الأمثل في حفظ كتاب الله، والانشغال به عما سواه، مستلهما ذلك من نهي رسول الله عن كتابة السنة، وأنّ السنة تحفظ بحفظ القرآن والعناية به، والعيش في رحاب القرآن كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.