د. إبراهيم البيومي غانم ـ إسلام أون لاين
الحركات الاجتماعية.. تحولات البنية وانفتاح المجال
الحركات الاجتماعية هي تلك الجهود المنظمة التي يبذلها مجموعة من المواطنين بهدف تغيير الأوضاع، أو السياسات، أو الهياكل القائمة لتكون أكثر اقترابا من القيم الفلسفية العليا التي تؤمن بها الحركة.
وبالرغم من تراجع مفهوم"الحركة الاجتماعية"خلال العقدين الأخيرين في العلوم الاجتماعية كمفهوم تحليلي لصالح مفهوم"المجتمع المدني"، فإن هناك من لا يزال يدافع عنه من المفكرين المرموقين، منهم على سبيل المثال عالم الاجتماع الفرنسي"آلان تورين"الذي يبني دفاعه عن مفهوم الحركة الاجتماعية على أساس موقفه النقدي الرافض لفكر ما بعد الحداثة الذي أعلن انتهاءها لصالح النسبية وتفضيلا لمفهوم الجماعات المدنية المتنازعة في المجال العام التي تدير نزاعاتها عبر آلية التفاوض المستمر وليس الحركات الواسعة الأيدلوجية، فقد انصب نقد تورين على ما بعد الحداثة باعتباره فكرا هداما للنموذج العقلاني الذي وصلت إليه المجتمعات الحديثة عبر نضالات مريرة على مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والذي يقوم بالأساس على السعي لبناء إجماع رشيد.
ولا يبدو أن هناك تعريفا جامعا مانعا لمفهوم الحركة الاجتماعية، حيث يتسع حينا ليشمل في طياته مختلف المسارات أو السيرورات الاجتماعية مهما تنوعت أو تعددت، ويضيق حينا آخر؛ بحيث يشير فقط إلى سلوك جمعي له فرادة تميزه، وله بناء وتنظيم وقيادة، ويهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة، أو تغيير بعض جوانبها الأساسية على الأقل.
وثمة تصنيفات عديدة للحركات الاجتماعية، فالبعض يصنفها إلى حركات ريفية وأخرى حضرية، أو حركات قومية وأخرى عالمية، وغير ذلك من التصنيفات التي تستند إلى أسس فئوية أو عرقية. ويرى كل من ريمون بودون وفرانسوا بوريكو أن الحركات الاجتماعية تتشكل في الفترات التي تعاني فيها المجتمعات من أزمة، وتسهم هذه الحركات في عملية التغيير وتجاوز الأزمة.
أنواع الحركات الاجتماعية
ويميز البعض بين نوعين من الحركات الاجتماعية هما: الحركات التي تسعى إلى تغيير القواعد والأحكام المعمول بها، والحركات التي تهدف إلى تغيير القيم وتجديد الأخلاق. ويتحفظ كل من بودون وبوريكو على هذا التمييز، فالمواجهة بين مفهوم نفعي وآخر مثالي للحركة الاجتماعية -في رأيهما- هي مواجهة خادعة؛ إذ المشاركون في حركة اجتماعية واحدة قد تحركهم دوافع مثالية وأخرى نفعية في آن واحد. وفضلا عن ذلك فإن الحركات الموجهة نحو القيم لا تشكل كلا متجانسا؛ فالإرهاب"الروسي"كان حركة اجتماعية على غرار المقاومة السلبية لغاندي، وإن كان الأول يلجأ إلى العنف، والثاني يجعل من تنكره للعنف أحد مبادئه الأساسية. ومع ذلك يمكننا اكتشاف سمة مشتركة بين كل الحركات الموجهة نحو القيم، وهي أنها المكان الراجح لليقين الذاتي حسب تعبير ماكس فيبر.
أما الفكر الماركسي فنجده في عمومه يميز بين خمسة أنواع من الحركات الاجتماعية وهي (العمالية، والطلابية، والفلاحية، والنسائية، والثقافية) ، ويستند هذا التمييز إلى أن الفئات الاجتماعية الداخلة فيه هي التي تشكل القوى الرئيسية المكونة لأغلبية الشعوب والمجتمعات المعاصرة، وهي في الوقت ذاته القوى الرئيسية للإنتاج، كما أنها أكثر القوى الاجتماعية تخلفا فيما يتعلق بظروف عملها وأحوال معيشتها.
ولكن كيف تظهر الحركة الاجتماعية إلى حيز الوجود؟
وما أهم المراحل التي تمر بها؟
إن تاريخ كل حركة اجتماعية يبدأ في الغالب الأعم بمرحلة من"التعبئة"الأولية؛ بالمعنى الذي قصده باحث بارز مثل كارل دويتش، حيث قصد بالتعبئة حالة اجتماعية متسمة بتزايد الحركية الجغرافية (الهجرة الداخلية) والمهنية، وسرعة توصيل الأفكار وانتشارها، وكثافة الاتصالات؛ أي أن تعبئة المجتمع -في المعنى الذي استعمله دويتش- تشكل واحدة من مقدمات ظهور الحركات الاجتماعية، ولكن هذا الشرط لا يكفي؛ إذ يقتضي أن يتحرر الأفراد من القيود التقليدية، وأن يطوروا قدرة تنظيمية يستطيعون بفضلها تحديد أهداف مشتركة، ووضع الموارد المطلوبة للوصول إلى هذه الأغراض موضع العمل.
وعادة ما يلاحظ في بدء عملية التعبئة وجود مرحلة مبادرات لا مركزية وغير منسقة تطبع بدايات الحركة، وتليها مرحلة العمل المنظم. ويختزل بعض علماء الاجتماع مراحل تطور الحركات الاجتماعية في مرحلتين: الأولى هي المرحلة التلقائية؛ حيث لا تتميز إلا بشيء قليل من التنظيم، وتكون الأدوار غير واضحة، والأهداف غير متبلورة بشكلٍ كافٍ، والثانية هي مرحلة التنظيم الواضح، والبناء الاجتماعي الذي تحددت فيه الأدوار، وتبلورت الأهداف في إطار أيديولوجية متكاملة.
ويمكن القول بأن الحركات الاجتماعية بشكل عام تمر بثلاث مراحل هي:
1 -تبلور فكر الجديد واتساع دوائر انتشاره.
2 -حشد التأييد الاجتماعي له.