3-تغيير الواقع، أو الإسهام في تغييره.
ويغلب على كل مرحلة نمط خاص من النشاطات والبرامج التي من المفترض أن تسهم في تحقيق أهداف الحركة.
بقيت الإشارة في هذا السياق إلى أن الحركات الدينية هي نوع من الحركات الاجتماعية، وإن كانت تتميز عن غيرها بكونها تمتلك مطلقات ومراجع كونية؛ كما هو الحال مثلا في الحركات الإسلامية، فلديها"مطلقات"عقيدية وإيمانية تجعل المنتمين إليها مستعدين للموت في سبيلها، كما أن لديها مرجعية متجاوزة للواقع المادي وتفسيراته الوضعية؛ كما أن رسالتها تسمو فوق الفوارق بين التجمعات الطبقية والإثنيات العرقية، واللون والجنس؛ ولذلك نجد أن خطاب هذه الحركات يتجه إلى الناس أجمعين دون تمييز، وتتسم أهدافها بالشمول والكلية، مثل هدف"تغيير الحياة"، و"تجديد الأخلاق"، و"إصلاح المجتمع والقضاء على الفساد"و"إقامة حكم الله في أرضه".
المكون الديني في الحركات الاجتماعية
ويؤكد بعض علماء الاجتماع -من ذوي النزعة النقدية- على أن المكون الديني حاضر في جميع الحركات الاجتماعية وليس في الديني منها فحسب، فحتى أولئك الذين يتصرفون على أنهم مجموعات ضغط في خدمة مصالح ضيقة جدا، نجدهم يستدعون قيما مقدسة، وفي رأي ر. بودون وف. بوريكو أن هذا هو ما توحي به الحركة العمالية في الديمقراطية التعددية للغرب الصناعي؛ حيث تقوم النقابات بالطريقة الأكثر واقعية بالدفاع عن مصالح فئوية ساعية إلى المحافظة -في الوقت نفسه- على الصلة بين إستراتيجية النقابة المهنية هذه، وبين تراث من المساواة والأخوة الشاملة. ولعل هذا هو ما يفسر لنا لماذا اتسم - تاريخيا- عدد مهم من الحركات الاجتماعية بالطوباوية - المثالية (والأمثلة على ذلك كثيرة منها: الحركة الاشتراكية، والحركات الوطنية) .
من المهم أن نؤكد إذن على أن مفهوم الحركة الاجتماعية لا يزال ينبض بالحياة، بالرغم من التراجع الذي أصابه بفعل صعود موجة المد الأخيرة لمفهوم المجتمع المدني -الوطني والعالمي. ومن الشواهد على ما نقول أن عددا من الجماعات والتنظيمات التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية بهدف مناهضة العولمة ومناطحة"النيولبيرالية"أصرت على تسمية نفسها باسم الحركات الاجتماعية، وتصدر بياناتها تحت هذا الاسم، ومنها مثلا:"نداء الحركات الاجتماعية/ بورتو أليجري 2003 ومومباي 2004، ضد الليبرالية الجديدة والحرب، ومن أجل السلام والعدالة الاجتماعية."
والخلاصة هي أن الحركة الاجتماعية تتشكل حول مبادئ و"مصالح معينة"بهدف الدفاع عنها، أو للسعي من أجل تحقيقها، وتشمل كلمة"المصالح"-هنا- الجوانب المادية الملموسة، والجوانب الأخلاقية والمعنوية والقيمية.
سياقات تطور وتنامي الحركات الاجتماعية:
السياق التاريخي العام (الاجتماعي والسياسي) الذي تنشأ فيه الحركات الاجتماعية عادة هو سياق"الأزمة"، ومن أهم عناصر هذه الأزمة التي شكلت المناخ العام لظهور تلك الحركات العوامل الآتية:
أزمة الديمقراطية:
تنشأ الحركات الاجتماعية في مواجهة الدولة نتيجة تعثر الدولة في أداء دورها وتدخل الدولة المتزايد للسيطرة على السوق وتدعيم قوتها وتوسعها على حساب المجتمع المدني، وهو ما يتزامن عادة مع تآكل دور الأحزاب السياسية كمنظمات للتعبئة والتمثيل الشعبي، وعندما تندمج الأحزاب السياسية مع النظام وتدور في فلك الحكومة رغبة ورهبة، وتأخذ شكل الأجهزة الملحقة بالدولة، ومن ثم تفشل الأحزاب في أداء وظيفتها الطبيعية في الرقابة وتقديم سياسات بديلة؛ وحتى أوقات الانتخابات نجدها تتوخى الابتعاد عن القضايا الملحة والخلافية، ولا تركز عليها في برامجها وحملاتها الانتخابية.
ويمكن القول بشيء من الثقة أن دور الأحزاب أصبح أكثر ميلا إلى إضفاء الشرعية على الدولة، وفي أكثر من مناسبة بدت الهوية الأيديولوجية لهذه الأحزاب باهتة؛ إذ طغت براجماتيتها على أيديولوجيتها، وتمثلت هذه البراجماتية في التزام الأحزاب المحافظة على الاستقرار المؤسسي. وليس أدل على ذلك من الانخفاض الملحوظ في المشاركة بالانتخابات العامة في الدول الغربية عموما وفقدان الثقة بالسياسيين خصوصا.
وتنشط الحركات الاجتماعية في ظل هذا العجز لتقوم بمهمة تمثيل المصالح وتقديم خطط بديلة والدفع باتجاه التغيير من خارج النظام، ولتمثل قوة ضاغطة تفرض على الدولة تعديل سياساتها وتطوير أدائها.
وهي تضم قطاعات واسعة من المواطنين -خاصة أولئك البعيدين عن مراكز القوة- للدفاع عن حقوقهم المدنية من الناحية الفعلية. ومع اتساع ظاهرة اللامنتمين الذين لا يشاركون عادة في التصويت وقد ينضمون للحركات تطلعا لتحقق تغيير، وأيضا ذوي الأصوات المستقلة.
وقد يكون الضغط سلميا، كما قد يؤدي لظهور أعمال تمرد.
الدولة والسوق والمجتمع المدني