فهرس الكتاب

الصفحة 15794 من 27345

من دلائل الإيمان وعلاماته التي تدل على صدق المؤمن، سروره وفرحه بالطاعات والحسنات، وحزنه وغمه بالمعاصي والسيئات، فإذا فرحت أيها المؤمن بالحسنة التي تفعلها وسررت بها، وحزنت وتألمت بالسيئة والمعصية التي وقعت منك وندمت من فعلها فأنت مؤمن، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قام في مثل مقامي هذا فقال:"أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يستخلف عليها ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن كان منكم تسره حسنته وتسوؤه سيئته فهو مؤمن"وأخرجه البيهقي وغيره عن أمامة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال:"إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن، قال: فما الإثم؟ قال: إذا حك في صدرك شيء فدعه"

فهذا مقياس يستطيع الإنسان أن يقيس به مستوى الإيمان في قلبه، إذا صليت الصبح في جماعة ففرحت بتوفيق الله لك بذلك وسررت بأداء الصلاة حاضرة مع جماعة المسلمين تلك الصلاة المشهودة التي يُحتفى بها في الملكوت الأعلى والتي لا يحرص عليها إلا المؤمنون، فذاك علامة الإيمان. إذا أرشدت ضالًا ودللت حيرانًا على الصراط المستقيم وكنت سببًا في هدايته وإرشاده فرحت بذلك العمل وسررت به فأنت مؤمن، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه"فوالله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم".

إذا هممت بريبة في خلوة والنفس داعية إلى الطغيان فجاهدت نفسك واستعنت بربك واستعصمت بإيمانك فأنقذك الله من رذيلة وعصمك من الوقوع في فاحشة وفرحت بذلك وسررت بالخلاص من الوقوع فيما يغضب الله فأنت مؤمن .

وإذا غلبتك نفسك وقارفت ذنبًا وليس من عادتك انتهاك حرمات الله ثم استيقظ ضميرك وتذكرت عقاب الله وعظمة الله فتألمت وتبت واستغفرت وندمت على فعلتك وعقدت العزم على أن لا تعود مرة أخرى إليها وعلمت أن رحمة الله أوسع من ذنوبك إذا فعلت ذلك فأنت مؤمن.

أخرج البيهقي في الشعب بسند جيد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول:"اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا".

وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن مستبشرًا بثواب الله خائفًا من عقابه وهو يؤدي الطاعات ويعمل الحسنات، حين تزل قدمه فيقع في المعاصي والآثام.

هكذا هي النفس البشرية تعيش بين استبشار وفرح وبين خوف وحزن وجزع، والمؤمنون المتقون مبشرون بكل خير من الدنيا والآخرة كما قال الله تعالى ? أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [ يونس:62-64]

فالله يبشر عباده وأولياءه بخيرات الدنيا والآخرة ومن الخيرات العاجلة، الاطمئنان والسعادة النفسية، والنصر والفتح، والرزق والغنيمة والتمكين والاستخلاف وغير ذلك ومن البشرى العاجلة الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى، والثناء الحسن، والذكر الجميل جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه, قال:"تلك عاجل بشرى المؤمن". قال العلماء في معنى الحديث هذه البشرى المعجلة له بالخير هي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق ثم يوضع له القبول في الأرض.

إن المؤمن عليه أن يعيش مستبشرًا برحمة الله ورضوانه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، ولقد كان هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أمته ليزيل عنها دواعي القلق على مستقبل الإسلام الذي يكيد له الأعداء فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسند الإمام أحمد:"بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض"والمؤمن محتاج في حال البلاء إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرح عاجل، أو بأجر آجل، ولقد وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم العلاء مريضة فقال لها:"أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم مذهب خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد".

ولقد بشر الله المؤمنين المبايعين على الإيمان والجهاد بما ادخر الله لهم من الأجر والثواب إن وفَّوا بالبيعة فقال ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ? [ التوبة: 111] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت