لطف الله بن عبد العظيم خوجه (1) 1/1/1426
من أنت؟، وما دورك؟.
(من أنت؟)
أنت إنسان.. أنت ابن آدم.. أنت مسلم، متبع لمن رضي الله عنهم، وأنزل السكينة عليهم.
-أنت إنسان!.
هل تعلم ما معنى: إنسان؟.
إن أصل كلمة"إنسان"، وكذا"إنس"، و"أنس": في كلام العرب من الإيناس؛ ومعناه: الإبصار.
يقال: أنَسْته، وأنِسْته؛ أي أبصرته.
وقيل للإنس: إنس. لأنهم يؤنسون؛ أي يبصرون.
كما قيل للجن: جن. لأنهم لا يؤنسون؛ أي لا يرون. كذا ذكر الأزهري.
وكذا جاء المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى:"فإن آنستم منهم رشدا"؛ رأيتم.
وفي قوله تعالى:"آنس من جانب الطور نارا"؛ أي أبصر. فالاستئناس في كلام العرب بمعنى النظر.
وإنسان العين هو ما ينظر به، وهو السواد الذي في العين، قال ابن سيده:
أشارت لإنسان بإنسان عينها *** لتقتل إنسانا بإنسان كفها
فتحصّل من هذا أن كلمة"إنسان"في كلام العرب يرجع إلى معنى الظهور، عكس الجن.
ثم إنهم ذكروا للإنسان معنى آخر هو: النسيان. فقد أورد ابن منظور عن ابن عباس قوله:"إنما سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه عهد إليه فنسي"، كما في قوله تعالى:"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما". وبهذا قال الكوفيون: إنه مشتق من النسيان.
وبهذا فإن معنى الإنسان، الذي هو محور حديثنا، يرجع في معناه، في كلام العرب، إلى: الظهور، والنسيان.
ومعرفة هذه النتيجة لها دور مهم، في تحديد ما يجب أن يكون الإنسان عليه، فما دام أن الظهور أصل معناه، فيفترض به أن يكون الظهور سمته البارزة، فيحقق هذا المعنى في: نفسه، وطريقته، وحياته. فيكون ظاهرا في:
-مبادئه، وقيمه، وأخلاقه، ودينه الذي يؤمن به، فلا يستخفي، ولا يتوارى، كما يتوارى الجن.
-في أقواله، وأفعاله، يوافق ظاهره باطنه، مجتنبا لحن القول، ومخالفة الظاهر للباطن، كما هي حال المنافقين.
ومبنى هذا الافتراض، ووجوب التحقق: ما عرف وثبت، من أن الأسماء لها أثر في مسمياتها، وكما قيل:"كل له من اسمه نصيب"، فهذا في الأسماء المسماة باجتهاد واختيار الوالدين، فكيف بالاسم الذي تعلق بهذا الكائن، حين عدمه، وحين وجوده، والذي علقه به وأطلقه عليه، الذي خلقه، وهو أعلم به.
وأما النسيان، فيستفاد منه: أن الإنسان فيه هذا العقل. فهو الذي يتذكر، وهو الذي ينسى، فالنسيان علامة وجود العقل، وإذا عرف الإنسان أن معناه مرتبط بهذه الآلة: العقل. كان مما يجب عليه أن يرعى هذه النعمة حق الرعاية:بالحفظ، والنماء. فالعقل جرم عجيب، من حيث إنه صغير الحجم، لكنه كبير السعة، حفظا وفهما، فمن الرعاية استثماره وتنميته، وإهماله يعني فقد جزء أساس من الإنسانية.
ذلك في اللغة.. أما في الاصطلاح، فقد اختلف العلماء في تحديد ماهية الإنسان على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه الروح وحده.
الثاني: أنه الجسد وحده.
الثالث: أنه الروح والجسد.
والصواب أنه روح وجسد؛ وذلك أن الجسد وحده لا يسمى إنسانا، والروح وحده لا يسمى إنسانا، ودليله قوله تعالى لزكريا عليه السلام:"وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا"، فهذا الخطاب لهذا النبي متجه إلى روحه وجسده، فلو كان جسدا وحده لم يخاطب بهذا، ولو كان روحا كذلك.
ولمعرفة هذه النتيجة أهمية ظاهرة في تحديد مهمة الإنسان، ودوره في الحياة:
فإن معرفة الإنسان عن نفسه أنه روح وجسد، ينتج عنها: عنايته بهما جميعا. فلا يبالغ لأحدهما دون الآخر، بل يعطي كلا حقه، وهذا ما يسمى بالتوسط:
-فيعطي الجسد حقه من: الرعاية، والتغذية، والحفظ، والنظافة، والتجمل، والتزين.
-ويعطي الروح حقه من: الرعاية، والغذاء، والحفظ، والتهذيب، والتزكية، والإصلاح.
ولو نظرنا في أحكام الشريعة: وجدناها تعامل الإنسان وفق هذا المبدأ: أنه روح وجسد. فثمة أوامر ونواهي متعلقة ببدنه، ومثلها بروحه:
-فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والذكر: أوامر متعلقة ببدنه. والربا، والزنا، والسرقة، والخمر: نواهي متعلقة ببدنه.
-والإخلاص، والخوف، والرجاء، والتوكل: أوامر متعلقة بروحه. والرياء، والتكبر، والغرور، والعجب، والنفاق، والحقد، والحسد: نواهي متعلقة بروحه.
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان، وهو الدين: قول، وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح:
-فأما قول القلب: فهو التصديق، والإقرار.
-وأما قول اللسان: فهو النطق، والذكر، وقراءة القرآن.
-وأما عمل القلب: فهو الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء.
-وأما عمل الجوارح: فهو الصلاة، والزكاة.
فأعمال الدين مفرقة على جميع الإنسان: روحه، وجسده. فهذا الدين كله، ليس الدين الأخذ بالظاهر، وإهمال الباطن، وليس الدين الأخذ بالباطن، وإهمال الظاهر، بل الأخذ بهما جميعا.
هذا ما يتعلق بالإنسان، في تعريفه: لغة، واصطلاحا. بقي أن نقول:
-إن الإنسان اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى.
إذن فكل ما قيل سابقا، يعم الذكر، والأنثى: الرجل، والمرأة. الشاب، والفتاة. بحد سواء.