فهرس الكتاب

الصفحة 1321 من 27345

أحمد جمال الحموي

عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام

من كرم الله سبحانه أنه منحنا أوقاتًا، وهيأ لنا مناسبات أعطانا فيها ما لا يعطي في غيرها - وهو الذي لا ينقطع عطاؤه ولا تغيض رحمته ونفحاته - وأتاح فيها سبحانه ما لا يتاح في غيرها. وهي مناسبات من محض الجود، ومن بحر الكرم الممدود. لم نستحقها بشيء قدمناه، فليس لأحد عنده سبحانه أو عليه حق بل هو المتفضل على الدوام. ومن ذا الذي يمكن أن يكون له حق على الملك المعبود الفرد الصمد المقصود..

وهي مناسبات كثيرة، من فاته واحدة منها، جاءته الأخرى تسعى ليتدارك ما فاته ويعوض ما ضاع منه. إنها مناسبات لنفحات المغفرة وتصحيح العلاقة معه سبحانه، وأسواقٌ ومحطات للتزود السهل، وشحن القلب بالمدد النوراني الذي يعين على الإبصار، ويمنح المرء قوة على السير في طريق السعادة الأبدية التي لا يشقى من فاز بها. وذلك هو الفوز الكبير. ومن هذه المناسبات العظيمة عشر ذي الحجة، ويوم عرفة، والحج.

أما تصحيح العلاقة مع الكريم الرحيم سبحانه فهو أمر في متناول الناس كل الناس على الدوام، وبابه مفتوح لا يغلق إلا بطلوع الشمس من مغربها، أو عند الغرغرة. والصلح معه دومًا ميسور لمن يسره الله عليه، وهو دائمًا سبحانه أكرم وأرحم فمن تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة. ولا مسافة ثمة ولا مشي، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. لكن تجليات هذه المناسبات، ونفحات هذه الأوقات وأنوارها، تبلغ حدًا من الإشراق يكشف الطريق للسارين، ويزيح الغشاوة عن الأبصار، فتظهر المعالم والحدود واضحة لا يزيغ عنها إلا هالك، فيسهل على الشارد الضال أن يتوب ويؤوب. فها هو السبيل ممهد مستبين والأبواب مفتوحة واسعة تستوعب حشود الراجعين المنيبين مهما كثروا تسوقهم إلى حظيرة الرضا وتأخذ بهم إلى روضات القرب وأفياء المحبة والأنس. إنها مناسبات للصلح وتصحيح العلاقة مع رب كريم يعلن في كتابه العظيم:

{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا } .

وهذه المناسبات من بحار السخاء وفيض العطاء الذي لا يحده حد، ولا يستوعبه مقدار، هي فرصة يتزود فيها المؤمن لسفر طويل مديد، ورحلة بعيدة لا رجعة منها. وفي هذه الفرصة، يكاد الزاد يصل إليك قبل أن تصل إليه، وتعجب حينما يغدو بسرعة عجيبة بين يديك، وكأنه يسعى نحوك سعيًا ويحرص على أن يدركك قبل أن تدركه.

زد على ذلك أن مقدار الزاد الذي كان يتطلب بذل الأموال وعمل الأيام وسهر الليالي في مشقة ونصب، يأتيك أضعافه بعمل يسير، إن الثمن الذي كنت تبذله لتنال شيئًا من الأجر والثواب في الأوقات الأخرى، لو بذلت مثله في هذه المناسبات لحظيت بأضعاف ذلك الأجر، وبالقناطير المقنطرة من الثواب، لعظيم بركة هذه الأوقات ونثر العطايا نثرًا في هذه المناسبات واستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتاز بيانه العذب العصور ويقطع الفيافي ليصل إلينا مبينًا هذا المعنى. فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام - يعني أيام العشر- فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير وذكر الله، وإن صيام يوم فيه يُعْدَلُ بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف) .

كلام لا لبس فيه.. العمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف، فأي ربح يتخلى عنه الغافل وأي خسارة تحيق بالمعرض ويا فوز المقبل العامل المتملق الذي يجمع الزاد، وخير الزاد التقوى، ويستعد للسفر الطويل.

3 -أما شحن القلب بالأنوار في هذه المناسبات العطرة فحدث عنه ولا حرج، لكأن شلالات النور وشآبيب الرحمة تنصب انصبابًا وتنهمر انهمارًا تروي الأرواح وتغمرها بفيضها الحلو المستعذب، والسعيد السعيد من كان يقظًا منتبهًا يغسل القلب من الران ويشحنه بالنور والعرفان.

إن للسيارة مدخرة يمدها المولد بالطاقة فإذا توقف المولد عن شحنها وإمدادها لم تستطع أن تقوم بعملها وعجزت عن أداء واجباتها.

وإن القلوب لتصدأ، وإن القلوب ليصيبها ما يصيب المدخرة من فراغ ونضوب يستدعي تداركها بنور الأعمال الصالحات، ومدد الخيرات والطاعات والمبرات، ليقود القلب المسيطر رعيته إلى الكمالات ويسير بها في طريق السعادة والنجاة.

وأية أويقات أعظم لشحن القلب من هذه الأويقات. أويقات عشر ذي الحجة وساعاته المباركة، وأويقات يوم عرفة وأيام الحج المعلومات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت