ترى ما الذي يمكن أن يصل إليه تجديد الخطاب الديني على الطريقة الأمريكية المرفودة بالعلمانية المتجذرة من ناحية وبعلماء السلطة ذات التقاليد القديمة من ناحية أخرى … أكثر مما فعلوا في إسقاط الدعوة إلى مبدأ"الحكم بالشريعة"وهو المبدأ الذي أطلقه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في الستينيات والسبعينات رغم جميع الظروف المعاكسة آنذاك ؟
ترى ما الذي يمكن أن يصلوا إليه أكثر مما فعلوا في إسقاط فريضة الجهاد عن كاهل الجيوش في البلاد الإسلامية وتركوها لأفراد يتم مطاردة الكثيرين منهم حاليا تحت عنوان الإرهاب ؟
ترى ما الذي يمكن أن يصلوا إليه اكثر مما فعلوا بفريضة الزكاة التي أسقطوها عن كاهل الحكومات ، وقمعوها في أروقة المؤسسات ، وطاردوها في نوايا الأفراد المرتعشة أيديهم بتهمة تغذية البنى التحتية والفوقية للإرهاب ؟ وارجع إلى حجم المشكلة في حلقة"الشريعة والحياة"في قناة الجزيرة بتاريخ 27\10\2003
ترى ما الذي يمكن أن يفعلوا في إسقاط فريضة صلاة الجمعة التي قننت خطبتها بمواصفات أمريكية أصبحت ملموسة في مساجد الوزارة وتوابع مساجد الوزارة ، وأصبحنا نستمع إلى خطباء مجددين يلبسون الزي الأفرنجي ، ويخلطون حديثهم بلهجة عامية ، ويتحدثون في كل شيء إلا أن يكون قريبا من مواجع المستمعين ؟
ترى ما الذي يمكن أن يصلوا إليه أخيرا في مواجهة رمضان بما جاء به من القرآن الكريم وبما جاء به القرآن من فريضة القراءة"فاقرؤا ما تيسر من القرآن"المزمل 20 وبما جاءت به فريضة القراءة من التذكرة بكل محرمات الخطاب الديني الحديث ؟
وإذا كان شهر رمضان لا يقتضي منا التوقف عن السجال الفكري في معركتنا الحضارية مع الغرب فإنه وفي إطار هذه المعركة يقتضينا أن نتنحى جانبا لنستمع إلى كلمات القرآن المقدسة خالصة ، تلك الكلمات المقدسة التي تعجز إمكانيات الولايات المتحدة وتوابعها من مواجهتها وذلك بعض من فضل رمضان الذي جاءنا كبعض من فضل القرآن ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )
في جامع الترمذي بسنده عن الحارِثِ الاعْوَرِ قالَ: مَرَرْتُ فِي المَسْجِدِ فَإِذَا النّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَلاَ تَرَى النّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الاحَادِيثِ؟ قالَ: وقد فَعَلُوهَا؟ قلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أَمَا إِني قد سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَلاَ إِنّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا المَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: كِتَابُ الله فِيهِ نَبَأُ مَا كان قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابَتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلّهُ الله، وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَهُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الّذِي لاَ تَزِيعُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الالْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلُقُ عَلى كَثْرَةِ الرّدّ، وَلاَ تَنْقَضَي عَجَائِبُهُ، هُوَ الّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتّى قالُوا {إِنّا سَمِعْنَا قُرْآنَا عَجَبًَا يَهْدِي إِلَى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ} ، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
وفي سنن الدارمي بسنده عنْ أبي سعيدٍ الخدريّ قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «منْ شغلَهُ قراءةُ القرآنِ عنْ مسألتِي وذكري، أعطيتُهُ أفضلَ ثوابِ السائلينَ، وفضلُ كلامِ اللّهِ علَى سائِرِ الكلامِ كفضلِ اللّهِ علَى خلقِهِ» .
وفي المعجم الصغير للطبراني بسنده عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ، ولا ينالهم الحساب ، هم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق:"
رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم به قوما وهم يرضون به
وداع يدعو إلى الصلوات الخمس ابتغاء وجه الله
وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين مواليه""
إن الثقافة الإسلامية الحقيقية من حقها أن تقف موقفا فذا بين جميع أنواع الثقافات التي ظهرت في التاريخ . ذلك أنه إن كانت أنواع تلك الثقافات قد خضعت جميعا للعامل البشري في تطوره وتغيره وتحوله على مدار آلاف السنين فإن الثقافة الإسلامية في جوهرها تستعصي على ذلك .
إنه يمكن أن يحدث على سطحها الكثير من التزييف أو التزوير أو التشويش .. وقد يستمر هذا التشويش زمنا فيتقدم خطوة أو خطوات ويتراجع خطوة أو خطوات ، ولكنها تظل في جوهرها نقية عصية على التغيير أو التبديل ، يعود بها الإسلام كما بدأ.