والسر في ذلك يرجع إلى حصن المقاومة المنيع: القرآن الكريم .الذي لا يمسه إلا المطهرون ، ومن معاني ذلك ألا يمسه سماسرة التحديث حكما وواقعا .
وهو يرجع من ضمن ذلك إلى عمليات الحفظ المضمونة بضمان الله { إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ } 9 الحجر ، وفي صحيح البخاري بسنده عن عثمانَ بن عفان رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إِنّ أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» .
ومن حفظه دوام تلاوته المضمونة بضمان الإيمان: ففي صحيح مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: « وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرّحْمَةُ وَحَفّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ أَبَطأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» .
وفي جامع الترمذي بسنده عن عَبْدِ الله بن عَمْرٍو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «يُقَالُ ـ يَعْنِي لٍصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتّلْ كَمَا كنْتَ تُرَتّلُ فِي الدّنْيَا، فَإنّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا» . قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حتى إن قرأ وهو يتعتع ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: « الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ. وَالّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقّ، لَهُ أَجْرَانِ » .
وهو أمر لم يتيسر لثقافة أخرى فيما نعلم
وهو أمر يخطئ علماء الإنسانيات كل الخطأ إذا تجاهلوه أو لم يضعوه في الحسبان .
يخطئون في حق أنفسهم إذ يظهرون بمظهر الجهل والحيرة والاندهاش أمام سلطان القرآن ونفوذه الغالب على سلطان الجيوش ونفوذ الحكومات .
ويخطئون في حق الإنسانية عند ما يصدونها عن هدي القرآن إذ يعرضونها بذلك لفترات طويلة من التخبط والعمى والضلالة . وتبقى الحصيلة الأخيرة قائمة هناك:
ا - كتاب يتأبى على كل محاولات التغيير والتبديل والتحويل . { لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميدٍ } 42 فصلت . { إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ } 9 الحجر
ب - وطائفة من أمته لا تزال قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم كما جاء في صحيح البخاري بسنده عن عُميرُ بن هانىء أنه سمعَ معاوية يقول: « سمعتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزالُ من أُمّتي أمةٌ قائمةٌ بأمرِ الله لا يضرّهم مَن خذَلَهم ولا من خالَفَهم، حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم على ذلك» .
ج - ومنهج قائم على الكتاب والسنة لا يضل المسلمون مهما تمسكوا بهما أبدا . ففي سنن أبي داود بسنده عن عَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ عَمْرٍو السّلَمِيّ وَ حُجْرُ بنُ حُجْرٍ عن الْعِرْبَاضَ بنَ سَارِيَةَ، أنه قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَالسّمْعِ وَالطّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيّا ، فَإِنّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجِذِ، وَإِيّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ، فَإِنّ كُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكلّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
وفي جامع الترمذي بسنده عَن زَيْدِ بنِ أَرقمَ رضي الله عنهما قالَ قال رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: « إنّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمسّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلّوا بَعْدِي: أحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الاَخَرِ كِتَابُ اللّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السّمَاء إلى الأَرْضِ وعِتْرَتِي أَهْل بَيْتِي وَلَنْ يَتَفَرّقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفونِي فِيهمَا » . قال أبو عيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وما عترته غير الذين اتبعوه غير مبتدعين من أهل بيته ، وما بيته غير بيت النبوة والإسلام والإيمان والإحسان ، وما أهل بيته غير أهل القرآن والسنة أهل الله وخاصته ، الذين جاء فيهم في سنن النسائي الكبرى بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ لله أهلينَ مِن خَلْقِه، قالوا: وَمَنْ هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن همْ أهلُ الله وخاصّتُه.