فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 27345

عبادة اللِّسان من أجلِّ العبادات وأعظمها , لِيُسْرِها وسهولتها على العباد ؛ ولكن قد يعرض لها من الآفات ما يهدم العبادة كلها , ويهوي العبد على أُمِّ رأسه في النار .

ولذلك أُمر العبد أولا بالإمساك عن الكلام إذ لا خطر من سَطْوَةِ اللِّسان وشَرِّهِ إلا بالصَّمت , وإلجامه عن الخوض في الكلام دُربة له , وتخلية عما تعوَّد عليه .

فنتيجة إطلاق اللِّسان: هي بَثُّ الوهن والفرقة والخصام والتنازع بين المسلمين , وقطع الطريق على العاملين , وإخماد العزائم بالقيل والقال , إنك ما إن ترى الرَّجل حسن المظهر ؛ عليه علامات الخير , قد تمسك بالسُّنةِ في ظاهره إلا وتقع الهيبة في قلبك , والاحترام والتقدير في نفسك له , وما إن يتكلم فيُجَرِّح فلانًا , ويُعرِّض بعلان , و ينتقص هذا ويغمز ذا , إلا وَتُنْزَعُ مهابته من قلبك , ويسقط من عينك ؛ وإن كان حقًا ما يقول , وإن كان صادقًا فيه , فلا حاجة شرعية دعت لذلك , وإن دعت الحاجة فبالضوابط الشَّرعية , والقواعد الحديثية التي وضعها العلماء .

فإن لم تعلمها أخي المسلم !! فلا أستطيع أن أقول إلا"أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَك"

وذلك لأن علم ما يُحْمَد في اللِّسان أو يُذم غامض عزيز , والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير , إذ أعصى الأعضاءِ على الإنسان اللِّسان , فإنه لا تعب في إطلاقه , ولا مؤنة في تحريكه , وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله , والحذر من مصايده وحبائله , وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان .

عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ .

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ: أَمْلِكْ لِسَانَكَ , ًوَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ , وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ .

وَكَانَ فَرْوَةُ بْنُ مُجَاهِدٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: أَلَا فَرُبَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِسَانَهُ , أَوْ لَا يَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِهِ , وَلَا يَسَعُهُ بَيْتُهُ .

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ , وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ , أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ .

بل كان للسَّلف في شأن اللِّسان أمر عجيب , دَخَلَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَهْ ! غَفَرَ اللَّهُ لَكَ , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ .

وآفات اللِّسان كثيرة إذ هو أسهل الأعضاء حركة , وأيسرها مؤنه فإنه لا تعب في إطلاقه , ولا مؤنة في تحريكه , وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته , والحذر من مصائده وحبائله .

فمنها فضول الكلام , والخوض في الباطل , والمراء , والخصومة , والتقعر في الكلام بالتشدق , والفحش , والسَّب , واللعن , والسُّخرية , والكذب , والبهتان , وغيرها من الآفات , وأشدها خطرًا وأعظمها جرمًا ؛ آفة الغِيبة !! ومن ثم أفردتها ببعض بيان .

ومن آفات اللسان:

1-القول على الله بغير علم

فمن أعظم الآفات وأخطرها على الإطلاق القول على الله بغير علم , وهي جَرْأة عجيبة وبغي بغير حق , وقد عَدَّه سبحانه وتعالى من عظائم الأمور , فقال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) } [سورة الأعراف: 33]

وغالبًا يحدث هذا من الأحداث الذين لم يخوضوا غِمار طلب العلم , أو ممن تصدَّر قبل أوانه فيحتاج إلى الفُتيا لتكثير أتباعه , وإبقاء مكانته بينهم فَيَنْسِبُ إلى الشَّرع مالا يعلم .

ويكثر هذا عند غَيْبة العُلماء , وتطاول السُّفهاء , وإسداء الأمر لغير أهله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت