فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 27345

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ , فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ , فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ , حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ ؟! قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ . قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا ؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاس سِنُونَ خَدَّاعَةٌ , يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ , وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ , وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ , وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ , وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ , قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ .

ولقد كان السَّلف رضي الله عنهم يفزعون لعلمهم أن شخصًا أفتى أو يفتي بغير علم .

عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ , فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ , يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ ! فَفَزِعْنَا , فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ - وَكَانَ مُتَّكِئًا - فَغَضِبَ فَجَلَسَ , فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ , وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ , فَإِنَّ من الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ , فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ من أَجْرٍ وَمَا أَنَا من الْمُتَكَلِّفِينَ} .

قَالَ مَالِكٌ: وَجَدْتُ رَبِيعَةَ يَوْمًا يَبْكِي ! فَقِيلَ لَهُ: مَا الَّذِي أَبْكَاكَ ؟ أَمُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ ؟! فَقَالَ: لَا , وَلَكِنْ أَبْكَانِي أَنَّهُ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ , وَقَالَ: لَبَعْضُ مَنْ يُفْتِى هَا هُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ من السَّارِقِ .

فالحذر الحذر من شهوة التَّصدُّر بغير علم ومن التَّقول على الله مالم يقل ؛ أو أن تنسب لدين الله ما ليس منه .

قَالَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ , فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ .

ولذلك ليس بعجيب أن تَسْمَع عَنْ إمام من الأئمة الكبار إن سُئل عَمّا لا يعلم يقول: لا أعلم .

قَالَ أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , فَقَالَ: يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ من أَمْرِ هَذَا الدِّينِ , فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا فَرَجٌ أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ , فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ ؟! قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدًى !! ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ! قَالَ يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ من ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّهِ ؛ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ , أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ . قَالَ: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ .

عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ , من الشَّعْبِيِّ .

وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً من الْأَنْصَارِ , وَمَا مِنْهُمْ من أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ , وَلَا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا.

فاحذر أخي الحبيب أن تُعَرِّض نفسك للهلكة فتكون جسرا إلى نار جهنم .

فَعَنْ الرَّبِيعِ قَالَ: قَالَ الشّافِعي: مَنْ طَلَبَ الرِّيَاسَةَ فَرَّتْ مِنْهُ , وَإِذَا تَصَدَّرَ الْحَدَثُ فَاتَهُ عِلْمٌ كَثِير .

قَالَ ابن القيم رحمه الله: وأمّا القَوْلُ عَلَى الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريمًا , وأعظمها إثمًا , ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان , ولا تباح بحالٍ بل لا تكون إلا محرمة وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حالٍ دون حال , فإن المحرمات نوعان:

محرم لذاته لا يباح بحال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت