فهرس الكتاب

الصفحة 3008 من 27345

إِشراقة الحج

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

الشهادتان والشعائر أركان الإسلام الخمسة ، هي الأساس الذي تقوم عليه سائر التكاليف الربانية ، لتؤلف هذه التكاليف الربانيّة والأساس الذي تقوم عليه بناء الإسلام كله ، بناء متينًا وأساسًا متينًا ، فلا يُقبل من عبد عملٌ إلا إذا قام على الأركان الخمسة ، على هذا الأساس .

ولقد فرض الله سبحانه وتعالى هذه الشعائر رحمة منه سبحانه وتعالى بعباده . فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثًا ولم يتركه سدى . فقد خلقه ليوفي بمهمة في الحياة الدنيا ، وهي محور مسؤوليته ، وأساس محاسبته يوم القيامة بين يدي الله . خلقه الله لمهمة يؤديها في الحياة الدنيا من خلال ابتلاء وتمحيص ، فلا يخرج الإنسان من هذه الدنيا إلا وقد استكمل رزقه وأجله وتمحيصه في الدنيا:

( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير . الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور )

[ تبارك: 1 ، 2 ]

وكذلك قوله سبحانه وتعالى:

( هو الذي خلقكم من طين ثمَّ قضى أجلًا وأجلٌ مسمى عنده ثم أنتم تمترون )

[ الأنعام: 2 ]

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس ! اتقوا الله وأجملوا في الطلب ، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها ، وإن أبطأ عنها . فاتقوا الله و أجملوا في الطلب ! خذوا ما حلّ ودعوا ما حرّم"

[ رواه ابن ماجه ] 1

ووفّر الله للإنسان نِعَمَهُ التي لا تحصى ، فضلًا منه سبحانه وتعالى ، لتعين الإنسان على الوفاء بالمهمّة التي خُلِقَ لها . ومن أهم هذه النعم الشعائر التي فرضها الله سبحانه وتعالى رحمة منه بعباده ، لتكون متماسكة فيما بينها ومتماسكة مع التكاليف الربانيّة الأخرى التي تقوم عليها . وبغير هذه الشعائر لا يستطيع الإنسان الوفاء بالمهمة التي خلق لها:

( وآتاكم مِن كُلِ ما سألتُمُوه وإِن تَعُدُّوا نِعمت الله لا تُحصُوهَا إِن الإنسان لظلوم كفارٌ )

[ إبراهيم: 34 ]

وكذلك قوله تعالى:

( ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نِعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مُنيرٍ )

[ لقمان: 20 ]

هذه الشعائر كلها مصدر طاقة تمدُّ الإنسان بالعزيمة والقوة ليوفي بعهده مع الله ، وعبادته وأمانته ، وخلافته في الأرض ، وعمارتها بالإِيمان والتوحيد ، وليوفي بسائر التكاليف الربانيّة التي تقوم على هذا الأساس المتين: الشهادتان والشعائر .

وكلّ شعيرة يؤديها المؤمن تمدّه بالطاقة والقوة ، وتغسل عنه ذنوبه وأخطاءه ، ويزيد هذا المدد بالطاقة حين تعمل الشعائر كلها في حياة المؤمن ، مرتبطة بالشهادتين ، مصدر الإيمان والتوحيد وصفاء النية وإخلاصها لله سبحانه وتعالى .

إِن أهمية النيّة وإخلاصها وارتباطها بالشعائر وبكل عمل يقوم به المؤمن تنجلي حين ندرك أن النيّة الواعية يقظة في القلب وجمال في النفس . وتستكمل النيّة هذه اليقظة والجمال ، حين تُحَدِّد للمؤمن هدفه وغايته والدرب الذي يوصل إلى الغاية والهدف .

بهذا التصور يقبل المؤمن على الحج بالنيّة الواعية اليقظة ، وهو يدرك أن الحج شعيرة ترتبط بسائر الشعائر وبالنية وإخلاصها ، وأنها فرض فرضه الله سبحانه وتعالى نعمة منه ورحمة ، لتعين الإنسان على الوفاء بالأمانة والعبادة والمهمة التي خلقه الله من أجلها:

( ... ولله على الناس حج البيت من استطاع إِليه سبيلًا ومن كفر فإن الله غنيّ عن العالمين )

[ آل عمران: 97 ]

وبذلك يصبح إنكار فريضة الحج كفرًا . وإنه إنكار يذهب بالطاقة التي يحتاجها الإنسان ليوفي بمهمته وأمانته . فكل شعيرة مصدر طاقة ضرورية للإنسان ، وفريضة الحج مصدر طاقة عظيمة للمؤمنين .

لقد كانت الشعائر كلها ماضية مع الأنبياء والمرسلين ، فدينهم جميعًا دين واحد هو الإسلام . وكانوا يُقِبلون هم والمؤمنون على الحج ليستمدوا منه قوّة وعزمًا ، وليبتغوا منه فضلًا ، وليشهدوا منافع لهم ، وليذكروا الله ، وليدعوا ويلحّوا بالدعاء ، ليمدّهم ذلك كله بالقوة والطاقة في مسيرة الحياة ، يوفون بعهد وأمانة وعبادة وخلافة ، لا يستطيعون الوفاء بها إلا بهذه الطاقة والقوة .

ولنستمع إلى نداء الله سبحانه وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام: ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير )

[ الحج: 27 ، 28 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت