فهرس الكتاب

الصفحة 25910 من 27345

*مع التابعي عبيد بن عمير رحمه الله (1)

ـ 1 ـ

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

هو واحد من كرام التابعين اشتهر ـ مع علمه وصلته بالقرآن ـ بعبادته وتقواه ونظراته الثاقبة التي تنم عن كثير من الحصافة واستنارة البصيرة ، وعندما كان يذكر ابن عباس رضي الله عنه في إمامته في فقه الدين وهي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك ، كان يذكر عبيد بن عمير بأنه قارئ القوم والقارئ يومذاك ـ ليس قارئ أيامنا وإنما هو العالم المتصل بالقرآن ، فعن داود بن سابور عن مجاهد قال: كنا نفخر بفقيهنا ، ونفخر بقارئنا . فأما فقيهنا: فابن عباس ، وأما قارئنا: فعبيد بن عمير. وتروى أيضًا ونفخر بقاضينا .. إلخ .

*ولقد كان عبيد ـ رحمه الله ـ واحدًا من أولئك الصفوة الذين اتخذوا من العلم طريقًا إلى معرفة الله ، فكان جسرهم إلى العبادة والتقوى ، حتى باتوا من أهل الخشية لله تعالى .. وهذا الذي كان له في ذاته وتزكية نفسه أعطاه نوعًا من المهابة والقدرة على الموعظة البالغة التي تتسم بالنفاذ والتأثير فهي من القلب إلى القلب . قال ـ أجزل الله مثوبته ـ فيما روى عنه مجاهد:

(كان يقال ـ إذا جاء الشتاء ـ لأهل القرآن: قد طال الليل لصلاتكم ، وقصر النهار لصيامكم ، إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه ، وبخلتم بالمال أن تنفقوه ، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه ، فأكثروا من ذكر الله عز وجل) .

*وفي فهمه لكتاب الله تبارك وتعالى نجد وراء التفسير لظاهر اللفظ كما تعطيه الكلمات روحًا تواقة إلى العمل بالكتاب وقلبًا يحس ما وراء الكلمات .

فعن الأعمش عن أبي راشد عن عبيد بن عمير في قوله تعالى: [إنه كان للأوابين غفورا] قال:

( الأواب الذي يتذكر ذنوبه في الخلاء ـ أي خاليًا ـ ثم يستغفر الله تعالى لها) .

أو لا ترى ـ يا أخي ـ إلى هذا المعنى الذي قدمه للأواب ، انتقل بنا من ظاهر اللفظ ـ كما يقتضيه معهود العرب ـ في الأوبة والرجوع ، إلى أن حقيقة الأوبة إلى الله تعالى إنما تكون بأن يتذكر المذنب ذنوبه خاليًا ليس معه أحد ولا يراه أحد إلا مولاه ، ثم يطلب المغفرة من الله تعالى لذنوبه ، وهو على هذه الحال .

*وانظر إلى عبيد بن عمير وهو يقدم لنا صورة المال والأهل والعمل وأنه لا ينفع المرء يوم تنزل به نازلة الموت إلا عمله ، حيث لا يغني المال ولا الأهل والعشيرة . قال رحمه الله:

(كان لرجل ثلاثة أخلاء ، بعضهم أخص من بعض ، فنزلت به نازلة ، فلقي أخص الثلاثة به فقال: يا فلان إنه نزل بي كذا وكذا ، وإني أحب أن تعينني ، قال: ما أنا بالذي أفعل ، فانطلق بالذي يليه في الخاصة ، فقال: يا فلان إنه قد نزل بي كذا وكذا ، وأنا أحب أن تعينني ، قال: فأنطلق معك حتى تبلغ المكان الذي تريد ، فإذا بلغت رجعت وتركتك . قال: فانطلق إلى أخص الثلاثة فقال: يا فلان إنه قد نزل بي كذا وكذا فأنا أحب أن تعينني ، قال: أنا أذهب معك حيث ذهبت وأدخل معك حيث دخلت .

قال: فالأول المال ،: فإنه خلفه في أهله ولم يتبعه منه شيء .

والثاني: أهله وعشيرته ، ذهبوا معه إلى قبره ثم رجعوا وتركوه .

والثالث: هو عمله ، وهو معه حيثما ذهب ويدخل معه حيثما دخل .

*وهذا دعاء من أدعية هذا التابعي الكريم تجد فيه روح الخشية وصدق المناجاة ولوعة القلب ... عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان إذا دخل ابن عمير المسجد وقد غابت الشمس فسمع النداء ، قال: اللهم إني أسألك عند حضور إقبال ليلك ، وإدبار نهارك ، وقيام دعاتك ، وحضور صلاتك ، أن تغفر لي وترحمني ، وأن تجيرني من النار. وإذا أصبح قال مثل ذلك قبل أن يصلي الفجر.

رحم الله عبيدًا وأعلى مقامه في الآخرين وأرجو أن يقسم لنا لقاء آخر مع وقفاته الربانية وكلماته المؤمنة الصادقة والحمد لله رب العالمين .

ـ 2 ـ

في العدد الماضي أخذنا بأطراف الحديث عن هذا التابعي رفيع القدر الذي انقضت حياته في أواخر الثلث الثاني من القرن الأول الهجري حيث توفي سنة 74 والذي أسند عن الكثيرين وروى عنه الكثيرون.

ونعود اليوم لمتابعة الحديث .. وحين نفعل ذلك نفعله أخذًا بقسط أوفر من سيرة واحد من أولئك الرجال الذين تعرف من خلال خلائقهم المنهج الرضيّ في الإسلام لما أنهم كانوا على قدم أولئك الذين تلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق فيهم قول الحكيم: عرفت فالزم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت