فهرس الكتاب

الصفحة 25911 من 27345

والأمة حين تتشعب بها السبل ، وتلتبس على كثير من أبنائها المعالم وتطلع الفتن بظلماتها تريد أن تسد عليها منافذ الوجود الحقيقي ... حين تقع الأمة تحت هذه الدواهي تبدو حاجتها أكثر وأكثر إلى التعرف إلى أولئك الرواد الذين اهتدوا بهدي النبوة ، ووردوا معينها العذب الزلال ، فهانت في أعينهم الدنيا وتفانوا في طلب ما عند الله .. فتراهم وقد راح الناس يتقممون الحطام تحت أقدام الطغاة .. ترتفع رؤوسهم عالية باستعلاء الإيمان ، عزيزة بعزة الحق لما أنهم عبيد لله لا سلطان على قلوبهم لغيره .. يركعون ويسجدون وبين يديه يخضعون ويتذللون .. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون .

وقد رأينا أن من هؤلاء الرواد الربانيين عبيد بن عمير- رحمه الله ـ ها هو ذا بما أخذ عن شيوخه من الصحابة يعلمنا من هو الرجل الحقيقي في ميزان الله ، وأن القيمة الحقيقية ليست بما يكون في هذه الدار من مظاهر قد تخفي وراءها حقائق تقشعر لها الأبدان ومخازي يندى لها جبين البصير قال رحمه الله يؤتى بالرجل العظيم الطويل يوم القيامة فيوضع في الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة ، ثم قرأ: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) وإذن فالقيمة الحقيقية للرجل ، بما يكون له عمل يرضى عنه الله ورسوله ، وكل ما يكون من تمويه وبهارج هنا لا يغير من الحقيقة شيئًا فالله لا ينظر إلى الصور والأجساد ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال .

وإذا كان الأمر كذلك فالمفروض بالمسلم أن يعمل ليصبح في عداد أولئك الذين يكونون شيئًا في ميزان الله تبارك الله وتعالى ، ولتكون مقاييسه للرجال والأعمال منبثقة عن هذه الحقيقة ، فلا ينظر إلى الهالة المصطنعة ولكن ينظر إلى ذلك كله من خلال المدلول الواضح لقوله تعالى عن أولئك الفارغين:

[فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا] (2) .

أكثر من هذا: لقد أثبت القرآن للكافرين أعمالًا ثم كشف عن أنها غير ذات قيمة عند الله يوم القيامة ولهم عليها مثوبة الدنيا هنا [وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا] (3) [والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب] (4) .

أعمال بقيم .. ورجال بقيم .. والسعيد السعيد من كان وقافًا عند منهج الله فيما يقبل وفيما يرد .

قال عبيد رحمه الله في شأن العتل هو القوي الشديد ، الأكول الشروب ، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة ، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفًا دفعة واحدة في النار).

وما أعظم ما غمر قلب هذا الرجل من النور الإلهي حتى استقام سلوكه وصحت له نظرته إلى الأعمال وجدواها عند الله .. وكان كبيرًا في نفسه كل ما هو من ذكر الله ورضاه بسبيل . فالتسبيحة الصادقة النابعة من القلب أين من وزنها عند الله ملء الأرض ذهبًا ، قال أجزل الله مثوبته:

(تسبيحة في صحيفة مؤمن يوم القيامة خير من أن تسير معه الجبال ذهبًا)

ولمَ لا يكون الأمر كذلك فالتسبيحة له ولكن الدنيا ـ بما فيها ـ إذا لم يؤد حق الله ويراقب ويحذر ويحتاط لأمره هي عليه والعياذ بالله .

ولم يكن عجبًا من العجب بعد ذلك أن تمتد هذه النظرات إلى علاقته بالناس ، فالأخ الحقيقي هو الأخ في الله الذي تجمعه وإياه عبودية لله صادقة ، وحرص لا يدانيه حرص على أن تكون كلمة الله هي العليا ، وشريعته هي المحكمة ، والآخرة التي وعد بها هي المؤثرة .. فهذا الأخ في الله هو الذي يحب ، وهو الجدير أن يستأثر بالود والعطاء والإيثار، فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:"رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه".

ثم: إن هذه الصلة ليست لغرض قريب ولا من أجل مطمع يلهث وراءه الحمقى طلاب الدنيا . ولكنه صلة عروتها أن يكون الإخوة في الله شهداء بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا يقولون ما ليس لهم بحق ولا يسألون ما ليس لهم به علم وما أعظم وأكرم أن يكونوا كذلك ... ـ وقد سبقت لهم من الله الحسنى ـ وأن يكون نبينا المصطفى صلوات الله عليه شهيدًا عليهم بالإيمان: فيسعدوا بأن يردوا عليه الحوض وأن يحظوا بشفاعته جزاه الله عن الأمة كل خير وآتاه الوسيلة والفضيلة وبعثه المقام المحمود الذي وعده إنه لا يخلف الميعاد .

حدث غيلان عن عبيد بن عمير (أنه كان إذا آخى في الله أحدًا أخذ بيده واستقبل به الكعبة وقال: اللهم اجعلنا شهداء بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، واجعل محمدًا صلى الله عليه وسلم شهيدًا بالإيمان ، وقد سبقت لنا منك الحسنى ، غير متطاول علينا في الآمال ولا قاسية قلوبنا ، ولا قائلين ما ليس لنا بحق ، ولا سائلين ما ليس لنا علم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت