د. حلمي القاعود 13/10/1424
الحديث عما يسمى تجديد الفكر الديني له أبعاد غريبة وعجيبة وشائكة لأن هذا الشيء الذي يسمى"الفكر الديني"يقوم على اجتهادات البشر التي تتناول حركة الإنسان المسلم من خلال المفاهيم الإسلامية.
ولأن هذه المفاهيم غائبة أو مغيبة على مستوى الأمة والأقطار الإسلامية في آن واحد فإن هذا التجديد الذي نبحث عنه أو نطالب به البعض يصبح مسالة ثانوية أو غير ذات أهمية أمام ما يقال عن وصول نسبة الأمية إلى أكثر من 70 % .. كيف أجدد الفكر الديني والقوم يجهلون أبجديات الدين وأساسياته، وإن كانوا يتعاملون معه من خلال عواطف مشبوبة ومشاعر مشتعلة ترفض أي مساس به أو عدوان عليه؟!.
أولوية القضايا
إن إطلاق سراح الإسلام ومفاهيمه الصحيحة وتعميمها على الناس كي يدركوا أبعادها الحقيقية ومقاصدها الأصلية مسألة لها الأولوية على قضايا التجديد والتفسير والتأويل، فالذي يجهل المفهوم أو القضية الأساسية لا يستطيع أن ينتقل إلى فروع ثانوية أو قضايا فرعية ليتناولها ويحللها ويفسرها وفقًا لاجتهادات معينة؛ لأنه يفتقد الوعي بالأصول أو الثوابت أو الخطوط العامة.
لقد تم حبس الإسلام عن الناس بصورة واعية أو غير واعية في شتى المجالات والمرافق التي يمكن أن تكون منبعًا هاديًا لصحيح الدين وثوابته، حدث ذلك في كثير من الأقطار العربية ... وفي المقدمة من هذه المجالات والمرافق مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، حيث جاء القانون 103 لسنة 1961 ليضعف مستوى الطالب الأزهري الذي يفترض أن يكون أكثر الناس وعيًا بصحيح الدين وثوابته بعد تخرجه في المرحلة العالية، ولكن القانون المذكور جعل الأزهر -الذي يفترض أن يكون معهدًا متخصصًا لدراسة العلوم الإسلامية والآداب العربية- مجرد مدرسة مثل بقية المدارس العامة التي تدرس كل شئ بالإضافة إلى ملخصات عن النظام القديم للشريعة واللغة، فلم يستطع الطلاب استيعاب علوم الدين ولا الدنيا وبدا الضعف واضحًا على خريجي الأزهر الذين يقفون على المنابر أو أمام الطلاب أو في مواجهة الجماهير عبر وسائل الإعلام والإرشاد، وزاد الطين بلة ما صدر من قرارات في السنوات الأخيرة بتخفيض سنوات الدراسة في المرحلتين الإعدادية والثانوية بالمعاهد الأزهرية، فضلًا عن التساهل في حفظ القران الكريم الذي هو أساس الدراسة العقدية والشرعية واللغوية والأدبية.
إبعاد الإسلام عن التعليم
وفي مجال التعليم العام بكثير من دولنا العربية أبعد الإسلام عن مجال الدراسة عمليًا حيث إن الطالب لا يستذكر مادة التربية الدينية وهي فقيرة تمامًا معرفيًا وفكريًا؛ لأنها لا تضاف إلى المجموع ويستثمرها مدرسو المواد الأخرى ذات المجموع في تعويض ما فاتهم شرحه من مناهجها.
أما وسائط الإعلام أو الميديا؛ فلا تتذكر الإسلام غالبًا إلا في شهر رمضان ويوم الجمعة من كل أسبوع، حيث تظهر في الصحف بعض الصفحات الإنشائية التي تتناول قضايا هامشية أو بعض الفتاوى والتعليقات، أما الإذاعة والتلفزة العربية فهناك بعض البرامج الدينية التي تذاع في أوقات ميتة، وكلها لا تثمر مواطنًا يملك شهادة بالوعي الإسلامي الصحيح أو المتكامل مع ما يبذل في بعضها -وخاصة إذاعة القران الكريم- من جهود طيبة، وفي الدراما يبدو الإسلام منفرًا ومزعجًا ومتزمتًا وقرينًا للجهل والظلم والصخب والإنشاء والدروشة والبلاهة والفجاجة، ثم أضيف إلى صورته مؤخرًا ملامح الإرهاب والعنف والدم والقتل!!.
تحريف وخلط
والإسلام من منظور التيار الثقافي المهيمن على الساحة العربية رمز للتخلف والرجعية والسلفية والأصولية ( بالمفهوم الغربي) ؛ لذا لا يحظى بأي تعاطف أو تسامح من النخبة المستنيرة التي تراه بعيون غير إسلامية. ومن الغريب أن هذه النخبة تتجاهل واقع الإسلام في أبعاده المختلفة، ومع ذلك تطالب بتجديد الفكر الديني وفصل الإسلام عن الدولة، وهو كلام فيه خلط وتحريف ويحتاج من النخبة وغيرها إلى مراجعة بفرض حسن النوايا.
إن إطلاق سراح الإسلام أو التسامح معه مسألة أساسية ومنهجية قبل أن نطالب بتجديد الفكر الديني أو ما يسمى كذلك، وعندئذ ستكون الأمور ذات وضع آخر يفرض على الجميع أن يفكروا بصورة جديدة!.