فهرس الكتاب

الصفحة 1342 من 27345

محمد المجذوب

لا حاجة إلى القول بأني أحد المستمتعين بأحاديث الأخ الشيخ علي الطنطاوي ، التي يرسلها عن طريق المذياع قبيل صلاة العصر من كل يوم ، حتى لا يكاد يفوتني أحدها إلا تحت ضغط الضرورة ، فالشيخ ـ حفظه الله وبارك في حياته ـ قد أصبح منذ بدأ هذه الأحاديث أنيس الجماهير ، إذ اقتحم على الناس مساكنهم ومشاغلهم ، واجتذب اهتمامهم فألفوا صوته ، واستعذبوا أسلوبه ، الذي يمزج الجد باللعب ، والعلم بالأدب ، ويخالط مشاعرهم بما يتناول من مسائلهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم .. بتلك اللهجة المحببة التي يطلقها على فطرتها ، فتحمل إلى المستمع ـ والرائي ـ نفحات الغوطة ومشاهد قاسيون ، وذكريات دمّر وبردى من دنيا الشام ، دنيا الصبا والشباب والأحلام ..

والله تبارك اسمه ، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، هو الذي قدر التلاقي والافتراق في نطاق الأفكار ، فقد تتقارب حتى لتجمعها الوحدة ، وتتباين حتى لا يتصور بينها لقاء . وطبيعي أن يرتفع منسوب هذا وذاك بالنسبة إلى أحاديث تكاد تؤلف موسوعة يتعذر تحديدها من المعلومات والمفهومات والتقريرات والفكاهات .. وعلى الرغم من كثرة نقاط التلاقي بين أفكار الأخ علي الطنطاوي وأفكاري ، فهناك مواقف نختلف عليها وقد يبلغ بعضها حدًا يقتضي الحوار، فأكتب به إليه أو يعقب في أحاديثه عليه .. وعلى هذا السنن أراني اليوم مدفوعًا لمناقشة واحدة من نقاط الاختلاف التي عرض لها في بعض أحاديثه أكثر من مرة . وقد كان عليّ أن أثير هذه المناقشة معه من زمان ، بيد أن ظروف العمل التي تستحوذ على معظم وقتي حالت دون ذلك من قبل ، وإنما حفزني إليها اليوم خبر اورده ابن إسحاق في تضاعيف السيرة ومرّ به ابن هشام ثم العاملون في خدمتها من المحققين والناشرين دون أن يلقوا إليه بالًا فيما أعلم ..

وبإزاء هذا الخبر وقفت أتأمل وأفكر وأقارن ، حتى انتهيت على القناعة بأن من الخير كتابة هذا البحث لا في شأنه وحده ، بل في أهم جوانب الموضوع المتصل به ، مما سبق أن أثاره في صدري حديث الأستاذ المكرر ..

أما الموضوع ففي نطاق البشائر التي تقدمت مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقدمه وبعثه والرسالة العظمى التي يحملها إلى الثقلين جميعًا ، فيجمع بها شمل الإنسانية التي فرقتها العصبيات ، وينشر لأول مرة في تاريخ الدنيا إعلانه العالمي عن حقوق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية .

ومهما تكن المناسبة التي دعت الأستاذ الطنطاوي إلى التعرض لهذا الموضوع ، فهي لا تعدو سؤالًا أورده مستمعيه بغية الوقوف على جوابه بشأن ما ذكره كتّاب السيرة النبوية عن المبشرات بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف الروايات التاريخية .

وقد رأيت الأستاذ أجزل الله مثوبته يميل صراحة إلى إنكار هذه الأخبار ، ليؤكد خلو ذهن المصطفى صلى الله عليه وسلم من أي علم سابق عن ترشيحه لذلك المنصب الأعلى .. وما أدري أجاء تكراره لهذه الأفكار من قبل الإذاعة التي من عادتها إعادة بعض الحلقات في مناسبات مختلفة ، أم كان جوابًا مؤكدًا على سؤال جديد في الموضوع نفسه ! .. وعلى أي حال فقد كان لموقفه هذا أثره في صدري كما أسلفت ، لاعتقادي أنه ينطوي على إطلاق لابد من تقييده ، حفاظًا على الحقيقة التي نحبها جميعًا ، ذلك لأن قبول كل ما ورد في السيرة من هذه البشائر ضرب من الاستسلام الضرير، الذي لا تقره الرؤية الإسلامية ، كما أن رفض كل ما يتعلق بهذا الجانب تحكم لا مسوغ له في منطق العلم والعقل ..

وإذن ففي جوابي الأستاذ حول هذه البشائر صواب لا مندوحة عن إقراره ، وفيهما خطأ لا يرضى هو بالسكوت عنه ، ولا يتفق مع منهجه العلمي .. ولننظر الآن في كل من الجانبين على حدة .

• إن المتتبع في وعي لروايات السيرة حول نشأة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه يجد نفسه بإزاء أخبار من حقها ـ لو صحت ـ أن تهيئ ذهنه صلى الله عليه وسلم لاستقبال النبأ العظيم .. وفي مقدمة هذه الروايات خبر بحيرا ، الذي تقدمه الرواية على أنه راهب عربي ، اتخذ في طريق القوافل على حدود الشام صومعة يعبد بها ربه ، حتى إذا مرّ به ركب قريش ، وفيه أبو طالب وابن أخيه ـ الذي لم يتجاوز الثانية عشرة بعد ـ شدّت انتباهه ظاهرة غير مألوفة ما لبث أن تحرك لاستكشافها ، فدعا القوم لطعامه ، وأكد عليهم أن لا يتخلف عنه أحد منهم ومن ثم شرع في تحريه ، استقراء عن طريق العلامات المميزة ، واستنطاقًا بالأسئلة التي طرحها على الغلام المنشود ، حتى استيقن الحقيقة التي يتطلع إليها أولو العلم من أحبار يهود ورهبان النصارى .. وهنا تنتهي قصة بحيرا لدى ابن هشام وابن كثير (1) ثم يواصل الثاني حديثه عن بحيرا برواية قراد أبي نوح ، التي تقول إن بحيرا قد أعلن قناعته بكون هذا اليتيم هو المبعوث المنتظر (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت