فهرس الكتاب

الصفحة 9012 من 27345

مقدمة

أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر

أقسام العلم الشرعي من حيث الحكم

نصوص في فضل العلم وأهله

طلب العلم في الصغر، وبعض أقوال العلماء فيه

الرحلات في طلب العلم

مقارنة بين العلم والمال

آثار الجهل على الأمم وفضائل العلم عليها

وسائل التعلم

بعض صفات طالب العلم

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، _صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرًا_.

أما بعد:

فإن العلم من المصالح الضرورية التي تقوم عليه حياة الأمة بمجموعها وآحادها، فلا يستقيم نظام الحياة مع الإخلال بها، بحيث لو فاتت تلك المصالح الضرورية لآلت حال الأمة إلى الفساد، ولحادت عن الطريق الذي أراده لها الشارع. (1)

يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله:"والحفظ لها - أي: للمصالح الضرورية - يكون بأمرين:"

أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك بمراعاتها من جانب الوجود.

والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم" (2) ."

والعلم - بلا ريب - يسلك في هذه المصالح الضرورية التي تجب مراعاتها من الجانبين المذكورين، وذلك للأسباب التالية:

أسباب كون العلم ضرورة شرعية

1-لأن حاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء، إذ به قوام الدين والدنيا.

2-لأن المستعمرين - بل المحتلين الحاقدين - إنما احتلوا بلاد المسلمين لأسباب كثيرة، بيد أن من أهمها جهل المسلمين.

3-انتشار المذاهب الهدامة، والنحل الباطلة، وما حدث ذلك إلا لأنها وجدت قلوبًا خالية، فتمكنت منها، فإن القلوب التي لا تتحصن بالعلم الشرعي، تكون عرضة للانخداع بالضلالات، والوقوع في الانحرافات.

وهنا أنبه إلى أن الصحوة الإسلامية اليوم بحاجة إلى طلاب العلم، فلقد التقيت بكثير من الشباب الأخيار، في هذه البلاد وفي غيرها، فآلمني أن العلم الشرعي ينقص كثيرًا منهم. بالرغم من حرصهم على الخير، وحماسهم للدعوة، وغيرتهم على الدين.

ومن ذلك: أنني ذهبت إلى بلد من البلدان، فوجدت فيها صحوة إسلامية مباركة، فسرني ذلك وأفرحني، ولكن ساءني كثيرًا أني وجدت هناك جرأة على الفتوى، وألفيت قيادات كثير من الشباب هناك بعيدة كل البعد عن العلم الشرعي!! فتساءلت: هل تقاد الدعوات بقيادات غير متمكنة من العلم الشرعي؟! وما مصير تلك الجماعات والحركات؟!

لا شك أنه لا يصح أن تقاد الدعوات بأولئك، وأن جهود هذه الدعوات وآمالها سوف تذهب هدرًا ؛ لأن القيادة عندما تكون جاهلة بأمر دينها، جاهلة بكتاب ربها، وسنة نبيها؛ فإنها تعجز عاجلًا أو آجلًا عن القيام بواجبات الدعوة.

إن من العجيب أن يتفق الناس على أنه لا يمكن لأحد أن يصمم بيتًا إلا أن يكون مهندسًا، عالمًا بهذا الفن، في حين يتساهلون في أمر في غاية الأهمية، وهو: أمر الدعوة، فيقودها رجال ينقصهم العلم الشرعي!!

4-إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

لعل هذه هي أهم الأسباب التي تجعل العلم ضرورة شرعية -بإيجاز-.

أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر

يمكن تلخيص تلك الأسباب فيما يلي:

1-غياب تأثير المسجد: فإن المسجد في كثير من بلاد المسلمين اليوم تؤدى فيه الصلوات الخمس فحسب، بل لقد رأيت في بعض المساجد أن المؤذن يؤذن قبل أن يفتح المسجد، وإذا أراد أحد أن يتنفل كثيرًا بعد الصلاة قال له المؤذن: جزاك الله خيرًا، صل في بيتك.

هكذا أصبح المسجد لأداء هذه الركعات فقط، فغابت مهمة المسجد عن حياة الأمة، فوصلت الأمة إلى حال يرثى لها، على حين كان المسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هو منطلق القيادة، والريادة، والتخطيط، والعلم والتعليم.

2-قلة العلماء العاملين: الذين ينذرون أنفسهم لبذل العلم ونشره، إنك اليوم تجد في كل بلد من بلاد المسلمين آلافًا من حملة المؤهلات العليا (الماجستير، والدكتوراه) ، في التخصصات الشرعية، ولكن عندما تبحث عن العلماء العاملين المبلغين، الذين يجاهدون بعلمهم في سبيل الله ، لرفع الجهل عن الأمة، فإنك تجدهم قلة يعدون على الأصابع.

بل إنني لم أجد في بعض بلاد المسلمين ما أعده على الأصابع من أولئك العلماء، فلقد سألت عن العلماء هناك، فقيل لي: هنا العالم فلان، والعالم فلان، و...، فذهبت إليهم - وليتني لم أذهب،"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه!!"- وجدت فيهم إخلالًا وعدم التزام، وضحالة وضعفًا، حقا إن أحدهم قد يحفظ بعض النصوص، لكننا لسنا بحاجة إلى حفظة نصوص، ولسنا بحاجة إلى العلماء الذين اهتموا بالمناصب، وأهملوا العلم الذي تعلّموه، وإنما نحن بحاجة إلى العلماء العاملين الأكْفَاء المجاهدين.

(1) - أصل هذه الرسالة محاضرتان ألقاهما المؤلف ثم سمح لنا بإخراجهما مطبوعتين فجزاه الله خيرا.

(2) - الموافقات 2/8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت