خالد أحمد*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أين تضع صدقتك؟ سؤال مهم وصعب في آن واحد، ويحتاج في الإجابة عليه إلى قدر كبير من الحكمة، لذلك لا عجب أن نرى أنّ آية الحكمة: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) [1] قد وردت ضمن آيات الإنفاق في سورة البقرة لتنبّه إلى أنّ وضع المال في موضعه يحتاج إلى حكمة المنفق.
ولحكمة ما لم يترك ربنا أمر تحديد مصارف الزكاة للبشر، بل عين سبحانه وتعالى مصارفها الثمانية في كتابه ونصّ عليها نصًا في سورة التوبة، و مع ذلك فقد ضيع مجتمعنا بعض هذه المصارف, والله المستعان.
ونحب أن نلقي نظرة على بعض وجوه الإنفاق الواجب والمستحب سائلين الله عز وجل أن يؤتينا الحكمة وأن يلهمنا الرشد ويقينا شرور أنفسنا.
من هو المسكين:
عرّف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسكين بقوله: (( ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان, ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس ) ) [2] , فالمساكين إذًا أقوام يتدثرون بالقناعة ويتزينون بالعفاف (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) [3] "وهؤلاء لا يحصلون في شبكة الطالب إلا بعد البحث عنهم وسؤال أهل كل محلة عمن هذه صفته" [4]
وهنا يأتي دور الأخوة الخاصة بعد الأخوة العامة, ويأتي دور فطنة المؤمن ليلحظ أحوال أخيه ويشعر بحاجته, من مدخله ومخرجه, ومسكنه وملبسه و جميع أحواله سعيًا لسد خلته كما قال الشاعر:
فالمسلم يعرف حاجة أخيه ويبحث له عن حل إما بعون مباشر منه إن كان مستطيعا، أو بحض غيره على الإنفاق.
من هم أولى المحتاجين بالصدقات؟
ذكر صاحب مختصر منهاج القاصدين صفات تجعل أصحابها مقدمين على غيرهم في أولوية الإنفاق عليهم، هذه الصفات هي:
[1] التقوى والعلم: وذلك من أجل زيادة همتهم في طلب العلم، وتوجيه طاقتهم لما ينفع الناس، حتى لا ينشغلوا بحاجتهم عن تعليم الناس.
[2] أن يكون ممن يرى الإنعام من الله وحده: و أما الذي عادته المدح عند العطاء، أو الذم عند المنع، فلا يقدم.
[3] أن يكون صائنًا لفقره ساترًا لحاجته (وقد سبق الكلام عنهم) .
[4] أن يكون ذا عائلة أو دَين، أو محبوسًا، فهؤلاء من المحصورين والإنفاق عليهم إطلاق لحصرهم.
[5] القرابة والرحم فتكون الصدقة عليهم صدقة وصلة.
"وكل من جمع خلتين أو أكثر كان عطاؤه أفضل"انظر مختصر منهاج القاصدين ص 43 - 44.
وقد سبق وصف الغارمين بأنهم من المحصورين وأن التصدق عليهم إطلاق لحصرهم. وقد كثر المدينون في مجتمعنا ومنهم الصادق الذي أحصره الدين وأقعده فأهمه بالليل وأذله بالنهار، وما أثقل الدين على مثل هذا، و واجب على صاحب الدين إنظاره لقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) البقرة 280 ،ومنهم المتلاعب بأصحاب الأموال من الدائنين المماطل لهم المضيع لأموالهم في الباطل فليس من الحكمة في شيء مساعدة أمثال هؤلاء على ظلمهم للناس.
أما ابناء السبيل فرغم كثرتهم فقلة من الناس من يفطن لهم، ويدخل فيهم من تغرب للعلم النافع أو لطلب منفعة دينية أو دنوية مشروعة واجتمعت عليهم مرارة الغربة و شدة الحاجة وقسوة من انقطع بهم السبيل عندهم.
وأكثر الأسهم حاجة للحكمة ـ في نظري القاصر ـ هو سهم"في سبيل الله"، الذي وجهه بعض العلماء إلى الغزو والغزاة، ووسعه آخرون ليشمل كل وجوه الخير والقربات والطاعات من تكفين الموتى وإعطاء الحجيج وبناء الجسور وعمارة المساجد وطلبة العلم وإعداد الدعاة وبعثهم إلى مواطن الدعوة وإنشاء المدارس التي تعلم الإسلام وتصون الناشئة, فإذا أخرجت من زكاتك للغزاة والغزو والرباط فلا أقل من أن توجه صدقة التطوع لهم.
موازنات:
قال الشيخ سعيد حوى رحمه الله:"فالذي لا يُفْطن له هو الأولى، وكذلك المصالح التي لا يُفطن لها هي الأولى وأصحابها هم الأولى". فالفقير إذا كان طالب علم نافع أو داعية، أولى من غيره ومصلحته أعم, ومصلحة المريض أعجل من غيره, فكم ضيع مجتمعنا علمًا ودعوة بتضييع صاحبها وكم تألم مريض ولم يفطن له وكم فتن الأعداء محتاجًا بالمال، والله المستعان.
كثير من أهل الخير ينفقون في زخرفة المساجد أموالًا طائلة كان يمكن الاقتصاد ـ اتباعًا لسنة المصطفى صلى الله عيه وسلم، وتوجيه مالها إلى عمارة المساجد بالعلم النافع، والعلماء الأكفاء.
وأخيرًا: فلنتذكر عظمة الإسلام في"فرض الإناث"في كثير من زكاة الأنعام لتنتج عند آخذيها فيكتفون ثم ينفقون بعد حين ولأجل إعانتهم على النجاح. والله من وراء القصد وهو يهدي السيبل.
[1] البقرة 296
[2] متفق عليه
[3] البقرة 273
[4] مختصر منهاج القاصدين ص 43.