فهرس الكتاب

الصفحة 20873 من 27345

كاتب السلطان الحديث!

عبد الله بن سلمان العودة 21/1/1426

قدّم خالد زيادة في كتابه المهم (كاتب السلطان.. حرفة الفقهاء والمثقفين) بحثًا رصينًا حول هذا الكاتب وصناعته وخلفياتها بدراسة شاملة وجميلة، لكنني أستأذنه في أن أستعير لقب (كاتب السلطان) لبعض المثقفين المحدثين، فإن هذا الكاتب الأول لمّا كان يمتلك آليات العلم والفكر ولكنه يسخرها بشكل مباشر للنفوذ السلطاني، فإن بعض المثقفين هم"الوريث"الشرعي لهذه المهمة المتقادمة التي لم تكن صفة لبعض المثقفين وحدهم، وإنما يشترك معهم فيها بعض أصحاب العمائم، في مقابل المثقفين أصحاب الطرابيش -كما يحب تسميتهم بذلك الأديب محمد كرد علي- والذين يصفهم أبو حامد الغزالي بالمترسمين حين:"خيّلوا إلى الخلق أن لا علم إلا عند فصل الخصام أو تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب الباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوامّ..."إلى آخر ما قال من كلامه الطويل في كتابه"إحياء علوم الدين".

أما الجاحظ فلقد قسا في رمي التهم على كاتب السلطان ووصفه بالتبعيّة المطلقة في رسالته (ذم الكتاب) ضمن رسائل الجاحظ، ولقد استخدم الجاحظ في رسالته تلك كل ما تسعفه به ذاكرته الخارقة من حكايات وقصص وشواهد كأسلحة أيديولوجية في الحط من شأن هذا الصنيع، وقد قال: إن"الكتابة بني على أنه لا يتقلدها إلا تابع، ولا يتولاها إلا من هو في معنى الخادم.. فأحكامه الأرقاء، ومحله من الخدمة محل الأغبياء.. هذا هو المشهور من أفعالهم، والموصوف من أخلاقهم".

لقد قسا الجاحظ هنا كثيرًا، ولكن ما أغاظه هو التقديم المستمر والمتواصل من قبل كاتب السلطان للدعم البراهيني والاستدلالي لكل ممارسات الأخير، الشيء الذي يتكرر في كل زمان ومكان.

وإذا لم يكن مجديًا الاعتزال في العصر الحديث عن أي شكل من أشكال الواقع الموجود، وبرز وجوب العيش ضمنه وحتمية الدخول في منافذه وقنواته الحياتية.. سواء منها الشعبية والرسمية -وهذا ما تؤيده قواعد الشرع وسنن الواقع-، فإنه في المقابل من غير المفيد أيضًا: الانخراط في عملية"تبرير"محض، أو ممارسة شرعنة مكشوفة لكل عمل سياسي، وإذا كان ذلك مقبولًا في السياق السياسي الواقعي، فإنه في الفكر والثقافة والعلم من قبيل الأخطاء. وإن تكرار مثل هذا التبرير أشبه شيء بعمل"محاماة"فكريّة تطوعية، تفقد المصداقية على كثير من المستويات.. فمتى يصبح الكاتب المعاصر كاتبًا فحسب؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت