فهرس الكتاب

الصفحة 12186 من 27345

بل الحرية هي التوحيد(1/2)

د. حاكم المطيري* 9/6/1424

سألني بعض الأخوة: لم كل هذا الاهتمام بالحرية في مقالاتك، وكل هذه العناية بها؟ ولم لا تكون الشريعة والتوحيد هو الهدف والغاية؟

فقلت له: هناك سببان لهذا الاهتمام: أما الأول؛ فلأن تحقيق الحرية غاية شرعية في حد ذاتها، بل الحرية من أشرف مقاصد كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، فالعبودية إنما هي لله، ثم الخلق بعد ذلك أحرار مع من سواه، فالخضوع والطاعة والرغبة والرهبة هي لله وحده الذي له الخلق والملك والأمر والحكم كما قال تعالى: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابًا من دون الله) . وقد فسر النبي معنى الربوبية هنا بطاعة الرؤساء والأحبار والرهبان والخضوع لهم، وجاء في الحديث"إنما السيد الله"، فهو الذي له السيادة المطلقة. فإذا كان السيد هو الله وهو الملك والرب والحاكم؛ فليس للخلق على بعضهم سيادة ولا طاعة ولا حكم ولا خضوع إلا بإذن الله وهذا هو معنى الحرية الإنسانية.

وقد تقرر في الشريعة قاعدة"الأصل في الإنسان الحرية"وأما الرق فهو طارئ يجب العمل على التخلص منه، إذ أكثر الأحكام الشرعية وأجلها وأشرفها منوطة بالحرية كالإمامة العامة والجهاد والجمعة والجماعة والحج والزكاة، فكلها يشترط فيها الحرية وتسقط في حال العبودية والاسترقاق، ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحرير رقيق العرب فقام عمر بتحرير كل عربي تم استرقاقه في الجاهلية، ودفع ثمن ذلك من بيت المال؛ فكان العرب أول أمة في التاريخ الإنساني تتخلص من الرق بشكل نهائي ومن جميع أشكاله، وتحققت فيهم الحرية بنوعيها: المعنوية، والصورية، ولم يبق فيهم عبد ولا رقيق منذ عهد عمر وإنما بقي الرقيق من غير العرب لكون الأمم الأخرى تسترق أسراها في الحروب، فكان العرب الفاتحون يعاملونهم بالمثل، إذ الاسترقاق أهون من القتل، ومع ذلك جعلت الشريعة تحرير الرقيق عمومًا من أفضل القربات وكفارة لبعض المحظورات سواء كان الرقيق مسلمين أو غير مسلمين، بل أمر القرآن بتحريرهم من بيت مال المسلمين، وأوجب على السادة مكاتبة من يريد فداء نفسه منهم ومساعدتهم بالمال كما قال تعالى: (وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) .

كل ذلك يؤكد مدى عناية الشريعة بحرية الإنسان وتحريره من كل أشكال العبودية لغير الله تحريرًا ماديًا ومعنويًا، ولهذا قال عمر كلمته الخالدة دفاعا عن قبطي مسيحي ظلمه بعضُ الأمراء:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؛ فسمّى عمر الظلم استعبادًا، مع أن القبطي لم يكن عبدًا ولا رقيقًا، بل كان حرًا إلا أن استذلاله وظلمه استعباد معنوي له، فالعرب تسمي كل تذلل وخضوع للغير عبودية، وإن كان الخاضع لغيره حرًا في نفسه، إذ هي حرية صورية شكلية، ولهذا قال ربعي بن عامر لرستم:"إن الله بعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"، ومعنى عبادة العباد أي الخضوع والطاعة للملوك والرؤساء والأحبار والرهبان، ومنه قول موسى لفرعون: (وتلك نعمة تمنُّها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل) ولم يكن بنو إسرائيل رقيقًا لفرعون؛ بل كانوا أحرارًا غير أنهم لما كانوا خاضعين لحكمه مستسلمين لظلمه صدق عليهم أنهم عبيد لا أحرار، بل جعل الإسلام هذه الحرية المعنوية من أصول الدين وقطعياته، فلا عبودية إلا لله ولا سيادة إلا لله ولا طاعة إلا لله ولا خضوع ولا تذلل إلا له وحده بينما جعل العبودية الصورية الشكلية وهي الاسترقاق من فروع الأحكام الفقهية وذلك لعظم خطر الحرية المعنوية وشدة أثرها على النفس البشرية والمجتمعات الإنسانية، ولهذا كانت عناية القرآن بتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية المعنوية لغير الله كالخشية والخوف والرغبة والرهبة والطاعة والتذلل والخضوع أشد من عنايته بالحرية الصورية التي يفتقدها الرقيق، إذ هذه فرع وتلك أصل، فتحرير الإنسان من العبودية والخضوع والتذلل لغير الله من أصول الدين؛ بل أشرف غاياته وهو أساس التوحيد الذي جاء الرسل لتحقيقه، أما تحريره من الرق فمن فروع الدين من أجل كمال التوحيد؛ حتى تكون عبودية الإنسان خالصة لله في المعنى والصورة. ولا تكون كذلك حتى تزول كل أشكال عبودية الإنسان للإنسان وتزول كل سيادة للإنسان على أخيه الإنسان فلا سيد إلا الله وحده، والخلق أحرار مع من سواه وكلما ارتفعوا في مقام العبودية لله اتسعت دائرة الحرية فيما بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت