فهرس الكتاب

الصفحة 26320 من 27345

وربما صحَّت الأجسام بالعلل!

بدر بن ناصر العواد 19/8/1425

علينا أن نعترف بأننا نمرّ بمرحلة عصيبة أدارت رحاها على المجتمع بأسره, محدثة هزات عنيفة طالت كافة المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية بشكل يتجاوز -أحياناً- القانون الطبيعي للتغير والتغيير؛ فهي أشبه ما تكون ب-"مرحلة مخاض"تؤذن بحدوث تغيرات وتحوّلات كبيرة لا تقف عند مستوى الأفراد؛ بل تتعداهم إلى التشكيلة العامة للمجتمع.

ولئن أشرنا إلى تمدُّدها في أكثر من اتجاه إلا أن الذي يعنينا هنا هو الجانب الفكري فقط لعلاقته الوثيقة بالعاملين في الحقل الإسلامي ولامتداد آثاره على المجتمع بكافة شرائحه.

وإذا كان من البدهي أن لكل ظاهرة أسباباً ومؤثرات -متفاوتة في درجة الوضوح وفي مدى التأثير- تدفع بها للظهور على السطح إلا أننا هنا لن نتطرّق لشيء منها بالرغم من أهميتها؛ بل سنتناول الموضوع من زاوية أخرى وبشكل موجز.

هذه المرحلة بما تشكِّله من أزمة خانقة كشفت لنا بصورة لا تقبل المغالطة أو التجاهل عن غيابٍ فاضحٍ لفقه التعامل مع الأزمات, وافتقادٍ للقدرة على مواجهتها بما يتناسب مع حجمها، ومن ثَمَّ عجز عن إيجاد حلول احتوائية, كما تمخّضت عن ارتباك كبير داخل صفوف الإسلاميين ترك بدوره شروخاً وتشقُّقات تمتدّ إلى عمق التيّار مما يُخشى معه -والحال هذه- أن تصبح بداية الانحسار للمدّ الإسلامي.

(إننا في أزمة) هذا ما نتفق عليه جميعاً, لكن المشكلة الحقيقية تظهر حين يخرج الوضع عن نطاق السيطرة بغياب المرجعية الإجماعية وشيوعِ الضبابية في الطرح وغَلَبَةِ الانفعالية في التناول, لتصبح الغَيرة على الدِّين هي المخوِّل الوحيد للتصدّي لها دون احترام لذوي التخصُّص, ولا رجوعٍ للعقلاء, ولا فهمٍ لمعطيات الواقع وضرورات المرحلة مما يزيد الموقفَ تأزُّماً والمشكلةَ تعقيداً (يخربون بيوتهم بأيديهم) .

إن من أخطر الأمور المشاهدة أن يصبح البعض -وإن نَبُلت أهدافهم- هم أصحاب المبادرة وسادة الموقف والمتحكِّمون بدفَّة الأمور دون أن يمتلكوا الأهلية في ذلك مما يدفع بأصحاب الرأي وذوي الكلمة من علماء ومفكرين إلى الانسحاب من المشهد خوفاً على أنفسهم من سهام الظنون الطائشة والشائعات المغرضة مكتفين -حينئذٍ- بأن يصبحوا جمهوراً لا حول له ولا قوة, وهو ما يعد بحق انقلاباً قسرياً للأدوار!

هذا الوضع المُربك وهذه الفوضى الفكرية التي تعصف بالمجتمع من كل اتجاه علامةُ ضعف ودليلُ ذبول -دونما شك- ما لم ينهض أصحاب الرأي إلى محاولة تطويقها أولاً، ثم تطويعها ثانياً؛ لتصبح فرصة حقيقية يمكن أن تزيد الخطاب الإسلامي توهُّجاً وتعزَّز من حضوره.

دعونا نحاول أن نستثمر هذه الأزمة بشكل إيجابي، وأن نكون كمَن يستخرج الأمصال من سموم؛ بأن نحوِّل هذه المحنة إلى منحة, وهذه الأزمة إلى نعمة دون مزايدةٍ على سمو المبادئ, أو احتكارٍ للحقيقة أو طعن في النيات, ولن يكون ذلك إلا حينما نتعامل معها بهدوء لا يفقد معه الإنسان توازنه, وبعقلية تحسن قراءة الواقع واستشراف المستقبل دون تعلّق بمطلق الماضي لأنه ماضٍ, فلا جمود بلا دليل, ولا انطلاق بلا حدود, ولا انفتاح بلا ضوابط.

إن هذا الاضطراب والفتور والانفلات المعياري يمكن أن يفتح أمامنا آفاقاً لم تكن تخطر على بال أكثر الناس تفاؤلاً, ويوجِدُ نافذة يستطيع العالِم الكُفء أن يُمَرِّرَ من خلالها ما شاء الله من رؤى واجتهادات ظلَّت مسجونةً داخل أروقة عقله زمناً طويلاً, بحيث تصبح المستحيلات -فيما مضى- ممكنات, والثوابت -بحسب الواقع- متغيرات!

وبالأمس القريب لم يكن بإمكان مثله تجاوز إشكالين مستغلقين:

أحدهما - وهو متعلق بالنُّخب-: سيطرة الأُحادية الشاملة بشكل مفرط تفقد معه الجماهير قدرتها على التفكير, والمفكِّرون شجاعتَهم على الكلام, والمتكلِّمون رغبتَهم في المواجهة.

الثاني - وهو متعلق بالعامة بالدرجة الأولى-: أثر الاعتياد والألفة في التمسك بالمعهود أياً كان, وتصعيب تقبُّل الآراء والأطروحات الجديدة بعدما ضَرَبت العادة أطنابها في أعماق أنفسهم.

وهذا كله جَعَل الاقتراب من هذه الآفاق أمراً غير ممكن إلا وسط غابات من التُّهم والظنون, بخلاف ما نحن عليه الآن من هلامية وحيرة تَضرِب بجرانها على أفئدةِ وعقول السّواد الأعظم من المنتمين للأوساط العلمية فضلاً عن العامة، ممهدة الطريق بذلك لتقبُّل اختياراتٍ فقهية جديدة وأطروحات تجديدية بعد أن تزحزحت كثير من القناعات بفعل هذا السيل الجارف من الأقاويل والتي أصبحت تحاصر الإنسان أينما ذهب ابتداء بالإعلام وانتهاء بالمجالس الخاصة.

ولئن كان تشخيص الواقع والقدرة على تفكيكه ومعرفة العوامل المؤثرة في تكوينه سلباً أو إيجاباً من الأمور المتفق على أهميتها إلا أن الأهم من ذلك هو القدرة على وضع أجندةٍ عملية قادرة على البقاء والتحدّي مصنوعةٍ من خيوط الممكن تساهم في الخروج بأكبر قدر من المكاسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت