فهرس الكتاب

الصفحة 26319 من 27345

وولى ليعود ويضرب في الأرض حتى يموت، فما يبالي الآن أين يدركه الموت بعد أن حرم آخر أمانيه، وهو أن يواريه الثرى الذي وارى جسد الحبيبة، ولم تسل من عينيه دمعة، ولم يتحرك لسانه بكلمة وداع، ولم يفكر في شئ فقد تواردت الآلام على قلبه حتى صار هو كتلة من الألم جامدة تسمى قلباً، وتتابعت عليه المصائب حتى صارت حياته كلها مصيبة... ويئس من السعادة حتى ما عاد يفكر فيها، أو يؤلمه فقدها، وتلفت ليودع المكان الذي اصطفاه من دون الأمكنة، وأودعه أعز شئ عليه: حبيبته وذكرياته، ويشمله بنظرة فإذا هو يرى دكان بقال (كان يعرفه) لا تزال قائمة على العهد بها، كما يقوم الطلل البالي في المدينة العامر، فأسرع إليها.

"وكان فيها شاب حدث علم منه أن أباه البقال مات من عشرين سنة، وأن الدار لابن داية أمير المؤمنين المأمون وصاحب بيت ماله،"وأن لهذا الرجل قصة عجباً، فقد كان أبوه من سراة التجار، فاشترى جارية أولع بها وعكف عليها حتى افتقر، وجاءها المخاض فذهب يطلب لها شيئاً فلم يرجع، وأسعفها البقال أبو القتى، وولد للرشيد مولود فطلبت له المراضع فلم يقبل ثدي واحدة منهن فدل على الجارية فقبل ثديها، وصارت ظئره وكان المولود هو أمير المؤمنين المأمون"."

ويسمع الرجل القصة فيحس أن الأرض تدور به، فيمر بآلاف الصور والألوان، والشكوك والأماني، ثم يسأله: وأين أم الولد؟ ويحس أن هذه اللحظة التي أنتظر فيها الجواب، قد طالت حتى غدت دهراً، وأنه كالقائم ليسمع الحكم عليه بالبراءة أو القتل. فيقول الفتى: إنها باقية تغدو إلى دار الخليفة أياماً، وتكون مع ابنها أياماً، ولكنها لا تزال حزينة لم تمسح آلامها الأيام، ولم ترقأ دمعها.

ويدعه الرجل ويركض إلى الدار، يشعر أنه يمشي في الزمان، يعود أدراجه إلى عهوده الماضيات، إللى عهد الحب الضاحك، ولياليه المترعات بالقبل. لقد نسي في هذه الخطوات كل ما لقي من شقاء، وما حمل من ألم، وامتلأ قلبه شكراً لله الذي استودعه حبيبته وما في بطنها فما ضاعت عنده الوديعة، وهذه الحبيبه التي طالما بكاها يحسبها ميتة وجاء ليدفن جسده الواني بجانب رفاتها، قائمة تنتظره، لتمنحه عطرها وسحرها ونحرها، وهذا الجنين الذي خلفه على باب الموت قد غذا شاباً ممتلئاً قوة وأيداً ومالاً ومجداً.

ووصل إلى هذا الشاب، فقال له: ما تبغي؟

فخفق قلبه، وتلاحقت أنفاسه، وهمت مقلتاه، ولم يجد ما يمهد به الحديث، قفال له:

-أنا أبوك!

ونظر الشاب شاكاً، وقال له: اتبعني.

فاتبعه، فاجتاز به صحناً بعد صحن، حتى انتهى ألى مكان الحرم فأقامه أمام ستارة، وذهب ليسأل أمه، ودل الرجل قلبه على أن الحبيبة وراء الستارة فناداها، وإذا الستارة تهتك، والمرأة تثب إلى عنق الرجل، تبكي وتضحك، وتضحك وتبكي، وتقول ما لا تدريه...

ويدير الشاب وجهه فما يحسن به أن ينظر إلى أبوه وهما يجددان عهود الهوى والشباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت