وجعل يفكر تفكيراً مبهماً ملتاثاً، يقطعه الجوع الذي يفري أمعاءه، والتعب الذي يهد عظامه، فيرى أنه كان في حلم وصحا منه... الدنيا كلها حلم كاذب: الحب، المال، والصحة والسعادة والمجد... لا يخلد شيء من ذلك ولا يبقى. لا يبقى منه إلا ذكرى تبعث ألماً، وتثير حسرة، وتحرق القلب. وتمنى أن لو كان خلق فقيراً منفرداً، ما عرف لذة الألفة، ولا متعة الغنى، وعاودته فكرة الموت التي كانت مرت بذهنه منذ ثمان وعشرين سنة، ولكن دينه منعه أن يختم حياته بهذه الخاتمة البغيضة، وأن يجمع على نفسه شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، وهبت عليه نفحة من نفحات الإيمان فاستراح إليها، وذطر أنه استودع فتاته الله، ولا تضيع عند الله الودائع، وأن وراء هذه الأحداث حكمة بالغة، وقدراً حكيماً. فاطمأن إلى حكمة الله وسلم أمره إليه ووجد بهذا الاطمئنان راحة وشبعاً...
وسمع صوت بوق يرعد على حاشية الأفق فنظر فإذا زلال (كلمة عباسية مولدة، معناها: السفينة الحربية) ضخم قد أقبل عليه، فلما حاذاه أشار ونادى، وسأل صاحبه أن يحمله إلى بغداد، وكان فيه أمير كبير، ولكن (الديموقراطية) كانت شعار العرب، وكانت سليقة فيهم، لا يمنع الأمير مجده أن يقف لفقير سائل ويحمله معه - فأدخله الزلال وأطعمه وخلع عليه ولم يسأله عن خبره لأن النوم قد غلب عليه فهجع كالقتيل قبل أن يسأل وقبل أن يجيب.
ولما أفاق كان المساء قد حل، وكانت بغداد قد بدت، وسربت الزوارق والسفن على سطح دجلة الفاتن تنشد لهواً وتبتغي لذة، وتملأ الضفتين نغماً سائغاً، وحباً ومجداً، وترنحت القصور طرباً، وانتشت الأرض أنساً، وتعانق النخيل وتشاكى الغرام، وتراقصت الأمواه في دجلة وتناجت الحب، وسكرت السفن ووهامت، وسدرت بغداد في نشوة الظفر، وكانت بغداد هي الدينا، وكانت دار الخلافة، وكانت عاصمة الأرض، وكانت منبع العلم والفن، ومثابة الغنى والترف. وكان فيها الصلاح وفيها الفجور، وفيها الخيرات وفيها الشرور، وفيها من كل شيء... وكذلك تكون الدنيا.!
وكان دجلة يسير مزهوأص طرباً. فقد بدأ سيره منذ الأزل، ورأى الحكومات تقوم وتقعد حتى مل قيامها وقعودها، وشهد من بأساء الحياة ونعيمها ما زهده في نعيمها وبؤسها، ورأى الأنام حتى كره مرأى الأنام، ولكنه لم يرَ أياماً أحلى، ولا مجداً أبقى، ولا أنساً أنقى وأتقى، من تلك الأيام وناسها.
وجاز الزلال بتلك السفن والزوارق الحالمة السكرى، كأنه البطل القوي يمر بالحسان في يوم عرس، فاجتمع على الصفحة الحب والحرب، والعز والهوى، هذا يمثله زلال القائد، وتلك تمثلها زوارق العشاق، وكان يمضي إلى غايته مسرعاً كأنه يسابق شعاع الشمس إلى الأفق الزاهي، وكان هو أيضا شعاعة من الشمس التي أضاءت الدنيا في هاتيك الأيام، فأشرقت على القلوب عاطفة وجمالاً، وعلى العقول علماً وكمالاً، وعلى المسلمين عظماً وجلالاً، وعلى الناي كلهم حضارة وتمدناً وسلاماً وأمناً، وضوأت لهم طريق المجهول، وشقت لهم السبيل الموصلة إلى تحقيق المثل العليا في المجتمع البشري، تلك هي شمس بني العباس إذ كان بنو العباس سادة الأرض.
وأنزله الزلال على الجسر، حيث قام تلك الليلة، فأعاده الجسر إلى ماضيه، فأحس بأن هذه السنين كلها لحظة واحدة، وأنها صفحة قد سقطت من سفر حياته، فاتصل ما قبلها بما بعدها. ورأى الناس من حوله، فهمّ بأن يسألهم درهما ً يشتري به عدساً ودقيقاً وشيرجاً لامرأته التي أخذها المخاض، وأسرع يريد أن يدركها قبل أن يشتد بها الألم ثم انتبه فرأى هذا الحجاب الصفيق من الزمان يقوم بينه وبينها، ثمان وعشرون سنة ليست يوماً ولا يومين... دهر طويل ولد فيه ناس ومات ناس، عمر كامل...، وتهافت وخمدت هذه الشرارة من الأمل التي أضاءت في نفسه، وسار محطماً مكدوداً يبصر الوجوه من حوله فيراها غريبة عنه لا يعرفها، ويرى المسالك والدروب فيفتش عن ذكرياته فيها فلا يجدها... حتى بلغ الدار ونظر فإذا الخربة التي خلف فيها الحبيبة قد صارت داراً فخمة على بابها الجند و (الشاكرية) فوفق ينظر إليها من بعيد... هذه داره التي رجع إليها ليتخذ لنفسه من ثراها قبراً ولكنها أنكرته وأعرضت عنه. لقد عاد غريباً في بيته منكراً في بلده. إنه ميت يمشي بين الأحياء. لقد بحث عن أثر واحد من دنياه التي كان يألفها، فإذا كل شئ قد تبدل، فلا الوجوه بالوجوه، ولا الأمكنة هي الأمكنة! فيا ويح الزمان كيف صنع ذلك كله! هذا الجبار المخيف الذي يفعل الأفاعيل، ولا يحس به أحد ولا يبصره ولا يلمسه بيده... ثم استغفر الله أناب إليه، إنه هو الفاعل المدبر، فلا الزمان ولا الأحداث بقادرة على شئ إنه هو وحده الذي يصرف الأكوان.