أساليب ومضامين الخطاب الإسلامي 1/3 د. أحمد حسن محمد*
إنّ مصطلح الفكر من المصطلحات التي سادت في الدراسات في الآونة الأخيرة، يظل يعمل في كثير من مجالات النشاط الإنساني باعتباره الموجه والمسير للعديد من هذه المجالات.
والواقع أنّ مصطلح الفكر إنما يأتي من خلال التصورات الذاتية التي يتوصل إليها الباحث أو الدارس من حصيلة ما يقوم به من قراءات وبحوث ودراسات وتجارب بحثية توصله في النهاية إلى فكر معين تحقق له القناعة، بقطع النظر عن صحتها أو خطئها أو بطلانها طالما أنها من وجهة نظره مقنعة وصحيحة، فإذا جاز هذا الاتجاه والمنحى بالنسبة لفروع المعرفة بصفة عامة فإن الأمر يختلف عند تناول قضايا الإسلام وشريعته وأحكامه. وذلك لأنّ كثيرًا ممن يتصدرون للحديث عن الإسلام إعجابًا وانبهارًا قد يعتمدون في ذلك على حصيلة أفكار وصلوا إليها بجهد ذاتي واطلاع ساقهم إلى تصور لمبادئ الإسلام وأحكامه في حدود ثقافاتهم الذاتية وفي المقابل أيضًا فإنّ كثيرًا ممن يشككون فيه أو في أحكامه ينطلقون كذلك من أحكام تجمعت لديهم من هنا أو هناك فشكلت تصوراتهم وحددت قناعاتهم. وفي كلا الحالتين ـ الإعجاب أو الرفض ـ لم يكن الأمر ملتزمًا بحقائق وضوابط علمية مما قد يسوق بعض المتحمسين للإسلام إلى خطر أشدّ ممن يقاومونه أو يعارضونه.
ومن هنا نشأ الصراع بين الأفكار المؤيدة للإسلام والأفكار المعارضة أو الناقدة له لأنّ كلا العضوين ينطلق من حصيلة فكر ذاتي ومقدرات شخصية وليس من الواقع العملي الثابت المستمد من المصادر الأصولية للإسلام والذي يظل متمثلًا في مصادر العلوم الإسلامية المعتمدة وما يتضمنه هذا الدين يقينًا ثابتًا من العقائد والأحكام القائمة من نصوص دالة عليه وفق قواعد علم الفقه ( [1] ) .
! الإيمان ضابط الفكر:
إنّ الفكر الإسلامي ينضبط بضابط الإيمان بحسبانه حجر الزاوية في مسار النشاط العقلي والسلوكي وعليه ـ أي على الإيمان ـ يقوم أي تفسير أو تبيين أي مصطلح حتى يتم إدراك الحقائق والمبادئ والأسس التي قام عليها هذا الدين، ويشمل ذلك الإيمان:
[1] الإيمان بالله تعالى، وما أنزل من كتب وما بعث بها من رسل.
[2] الثقة المستمدة من التجربة العلمية والممارسة الحية لشرائع الدين الإسلامي بما حقق من تغيير إيجابي وتقدّم ملموس.
[3] أنّ الإعلام عمل مكلف به الإنسان المخلوق وليس مجرد اجتهاد بشري تطوعي.
[4] قدرة الشريعة الإسلامية على تحقيق الربط الصحيح والمنطقي وتأكيد المعادلة الصحيحة بين طبيعة الحياة الدنيا وحقيقة العودة إلى الله أي فناء الدنيا وبقاء الآخرة.
ويظل الفكر الإسلامي المنطلق من هذه المسلمات خطابًا دائمًا مستمرًا للمجتمع البشري يسع الزمان والمكان، يخاطب الملل والنحل والمذاهب ويتعامل بإيجابية أمام الاتجاهات العاملة في حقل الحضارة المعاصرة كما تعامل معها في الماضي.
ومن هنا جاء الخطاب الإسلامي موجهًا للناس: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى…} ( [2] ) ، {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ…} ( [3] ) كما خاطب أهل الكتب السماوية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ…} ( [4] ) وخاطب الأهل والعشيرة: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ( [5] ) ، {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ…} ( [6] ) .
! مراحل الخطاب الدعوي في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم
وجاء الخطاب النبوي الشريف ليؤكد هذا المنحى فقد خاطب صلى الله عليه وسلم قومه وأهله في مكة بالأسلوب الذي يتناسب مع الوضع القائم في أول نزول الوحي فكان الخطاب عن طريق الدعوة السِّرية بما يصون مسيرة الداعية، ولذلك أمره تعالى بالصبر: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ( [7] ) فقد جاء في خبر إسلام عمر ابن عبسة رضي الله عنه حيث قال:"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بمكة وهو حيث مستخف" (2) .
وكان تحركه وخطابه وسط الذين تربطهم به صلات مثل زوجته ومولاه وربيبه وصديقه وكل من يطمئن إلى أنهم يكتمون سره.
ولا شك أنّ طابع السرية كان أمرًا لازمًا حيث ساد الطغيان وسيطر أهل الشرك واستحالت الحجة بالحجة وقوبل الرأي بالتعذيب والإرهاب.
! مرحلة الجهر بالدعوة:
وكان الخطاب أولًا للأقربين امتثالًا لأمر الله سبحانه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ…} ( [8] ) ، فأخذ الخطاب جانب عاطفة القربى ووشيجة الصلة ـ صلة الرحم ـ فقال لهم: من يضمن عن ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي؟ وعرض ذلك على أهل بيته… وكان يخاطبهم (يا بني عبد المطلب) .