يوم القيامة هو يوم المخاوف ، فما يخلص الناس من هول من أهوال ذلك اليوم، حتى يدركهم هول آخر . فتمتلئ القلوب خوفًا وفزعًا ، فلا تدري متى تنجو ، ولا تدري أي مصير ستؤول إليه، وبينما الأمم في محشرها ، إذ يأمر الله سبحانه، أن تتبع كل أمة ما كانت تعبده ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ثم يُذْهَبُ بهم جميعًا إلى النار . وتبقى الرسل مع أممهم وفيهم المنافقون ، فيُنْصَبُ لهم صراط على ظهر جهنم، أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر، وفي حافتيه خطاطيف وكلاليب ، فيأمرهم سبحانه أن يمروا على ظهره ، فيشتدُّ الموقف ، ويعظم الخطب ، ويكون دعوى الرسل يومئذ اللهم سلِّم سلِّم ، ويكون أول من يجتاز الصراط النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ، ثم تتبعهم سائر الأمم من أتباع الرسل ، ويتفاوت الناس في كيفية مرورهم تفاوتًا عظيمًا فمنهم من يمر كطرف العين ، ومنهم من يمر كالبرق ، ومنهم يمر كالريح ، ومنهم من يمر كالخيل الجيدة ، وحينئذ فمنهم من ينجو سالمًا ، ومنهم من ينجو مخدوشًا ، ومنهم من تخطفه الكلاليب ويلقى به في النار .
والورود على الصراط أمر ثابت بالقرآن والسنة ، أما القرآن فقوله تعالى { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} (مريم:71) . فقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه الورود في هذه الآية بالمرور على الصراط ، كما روى ذلك الطبري في تفسيره.
وأما الأحاديث فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلًم سلِّم ) رواه البخاري و مسلم .
حتى إذا خلص المؤمنون من الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم ، وهؤلاء لا يرجع أحدٌ منهم إلى النار ، قال صلى الله عليه وسلم: ( يخلص المؤمنون من النار ، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ) رواه البخاري فهذه القنطرة خاصة بتنقية المؤمنين من الذنوب المتعلقة بالعباد حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غلٌ ولا حشدٌ لأحدٍ ، كما وصف الله أهل الجنة فقال: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر:47) .
هذا هو الصراط ، وهذه هي أحوال الناس عند المرور عليه ، فتفكر- أخي الكريم- فيما يحلُّ بك من الفزع إذا رأيت الصراط ودقته ، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحتك، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها ، وقد كُلِّفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك ، وتزلزل قدمك ، وثقل ظهرك بالأوزار ، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه ، ومجاز ما أضيقه . نسأل الله السلامة والعافية . فالعمل العمل ، فهو النجاة من تلك المخاطر والأهوال ، نسأل الله أن يحسن أعمالنا ، وأن يوفقنا لطاعته، حتى نلقاه وهو راض عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، والحمد لله رب العالمين .