البوسنة و الهرسك
دراسةٌ عامّةٌ
تأليف الدكتور: أحمد عبد الكريم نجيب
أستاذ الحديث النبوي و علومه في كلّية الدراسات الإسلاميّة بسراييفو ، و الأكاديميّة الإسلاميّة بزينتسا
و مدرّس العلوم الشرعيّة في معهد قطر الديني سابقًا
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله كما ينبغي لجلاله ، و الصلاة و السلام على نبيّه محمّد و آله ، و بعد
فمنذ قرنٍ من الزمان و الأقلّيات الإسلاميّة في أنحاء العالم تئن تحت وطأة جور أهل الصليب و عبّاد الأوثان ، بعد أن سقطت الخلافة و تداعت عليهم الأمم من كل جانب .
و من تلك الأقلّيات شعوب من المسلمين في الغرب الإسلامي يعيشون غرباء في منطقة البلقان ، و لا يكاد يعرفهم أو يسمع بهم أحد .
شعوب كانت أرض الإسلام في بلادهم خصبة ، و دعوة أهل السنة في حياتهم ريّانةً رطبة ، حيث العلم و العلماء ، و المعاهد و المدارس في مختلف الأنحاء .
عاشوا أعزّةً بالإسلام قرونًا حتى غابت عنهم شمس الخلافة ، و عدت عليهم العوادي ، فقتلت عالمهم ، و مسخت هويتهم ، و أبعدتهم عن دينهم بالوعيد و التهديد ، و النار و الحديد ، حتى نشأ فيهم نشؤٌ لا يعرف من الإسلام إلا اسمه ، و من القرآن إلا رسمه ، بل أصبح كثيرٌ منهم لا يعرف حتى ذلك الرسم المبارك .
و مع تقادم الزمن نسي المسلمون أن لهم إخوانًا في العقيدة ، يعيشون تحت الحكم الشيوعي في دولة عنصرية تدعى ( يوغسلافيا ) و يصورها الإعلام العربي دولةً صديقةً ذات مواقف مشرفة من قضايا العرب و المسلمين في أنحاء العالم ، و خاصةً قضيّة فلسطين ، في إطار ما كان يعرف بحركة عدم الانحياز .
و صحا العالم كله بما فيه المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها على صرخات الاستغاثة التي انبعثت من حناجر المسلمين البشانقة ( أهل البوسنة و الهرسك ) و قد أعمل فيهم الصرب و الكروات و من تبقى من الشيوعيين الذين يحمل بعضهم أسماء إسلامية القتل و التشريد ، في زمن تقاعس فيه المسلمون و تسلط فيه الحاقدون .
غير أن الله تعالى قيّض من أبناء هذه الأمة من يرفع لواء الجهاد في سبيله في كل عصر و مصر ، و من هؤلاء { رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلًا } [ الأحزاب: 23 ] .
و كان نصيب البوسنة من هؤلاء الرجال وافرًا ، حيث تجمّع على أرضها آلاف الأنصار ، و عامّتهم من العرب ؛ منهم من يجاهد في الله بسلاحه ، و يجود بنفسه ، و منهم من يعمل في حقل الدعوة إلى الله ، ليبصر إخوانه المسلمين بحقيقة و أهداف المعركة التي يخوضونها مرغمين ، و يسعى لتعليمهم أمور دينهم و ردهم إليه ردًا جميلا ، إلى جانب من هبَّ يجاهد بماله ، و يغيث إخوانه منفقًا من بعيد ، أو عاملًا في الميدان ؛ منفردًا أو تحت مظلة إحدى الهيئات الخيرية العاملة في البوسنة و الهرسك أثناء الحرب الأخيرة .
و قد أكرمني الله تعالى بشرف التعاون مع هؤلاء الأخيار ، حيث كنت ـ و الحرب في البوسنة على أشدها ـ أدير مؤسسةً إغاثيةً دعويَّة عريقة و أعمل أستاذًا للحديث النبوي و علومه ، و اللغة العربية للناطقين بغيرها في كلية الدراسات الإسلامية بسرايفو و الأكاديمية الإسلامية في زينتسا و { ذلك من فضل الله عليَّ ليبلوني أأشكر أم أكفر } [ النمل: 40 ] .
هذا إلى جانب اشتغالي في تلك الفترة و ما بعدها بإعداد رسالة الدكتوراة التي تناولت فيها مكانة السنّة النبوية و أثرها في حياة المسلمين البوشناق .
و نظرًا لندرة ما أُلِّف في التعريف بالبوسنة باللغة العربية من قبل ، و حاجة القارئ العربي الماسّة إلى مرجعٍ في هذا الباب رأيتُ أن أشرع في إعداد دراسة خاصة حول تلك البلاد أعرّف بها و أدرس تاريخها و أديان أهلها و غير ذلك من المسائل ذات الأهمّية ، على نحوٍ يقدّم للباحثين و المهتمّين بقضيّة البوسنة الحد الأدنى ممّا ينبغي أن يعلموه عنها ، و للمكتبة الإسلامية ما يسدّ ثغرة افتقارها إلى مراجع باللغة العربيّة حول هذا الموضوع .
و قد اعترضت سبيلي ، أثناء جمع مادة هذا البحث معوقات عديدة ، و عانيت من صعوباتٍ شتى ، حاولت قدر المستطاع تخطيها بالتسديد و المقاربة ، و من تلك المعوٍّقات و الصعوبات:
قلّة المراجع العربيّة التي تتناول حال مسلمي البوسنة ، و صعوبة الاعتماد على المراجع المصنّفة باللغات الأوروبيّة ؛ السلافيّة و غيرها .
اندراس كثيرٍ من الآثار الإسلامية التي يعوّل عليها في توثيق بعض الدراسات ذات الصلة بموضوع البحث .
ضعف الخدمات التي تعين الباحثين في البوسنة ، حيث أن معظم مكتباتها العامّة أغلق أثناء الحرب الأخيرة ، و لا يزال بعضها مغلقًا حتى الساعة ، فضلًا على ما دمّره الصرب والكروات أثناء تلك الحرب ، و ما وقع منها تحت سلطة الصرب الذين لا يزالون يحتلون نصف بلاد البوسنة حتى اليوم .
بعد بلاد البوسنة عن ديار الإسلام الأخرى ، و خاصّة البلاد العربية التي كثيرًا ما كنتُ أضطرُّ للسفر إلى بعضها في طلب مرجعٍ ، أو استشارة