الحمد لله الذي عزّ فارتفع، وعلا فامتنع، وذلً كلُّ شيء لعظمته وخضع ... وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رفع الله به أقواما، ووضع به آخرين، أزكى البشرية، وأتقاها، وأعظمها إيمانًا برب العالمين، سنتنا سنته، وهدينا هديه، وطريقتنا طريقته، فنسأل الله تعالى مجاورته في جنات النعيم ... اللهم صلّ وسلم عليه وآله وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه الغرّ الميامين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ــــــــــ
أيها الإخوة في الله،
لقد أصبحت عودة حكم الإسلام وسلطانه هاجس المسلمين وأملهم، إلا بعض نفر ممن رضع الثقافة الغربية الكافرة، فشبّ على أفكارها ومفاهيمها، ثم شاب على ذلك، فجعل من نفسه حاميًا لها، بعد أن اتخذ وجهة النظر الغربية، القائمة على فصل الدين عن الحياة والدولة، وجهة نظر له في الحياة. وقد نعى الله على الذين يريدون أن يتحاكموا إلى أحكام الكفر والطاغوت بدل أحكام الإسلام فقال جلّ وعلا: { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا } .
أيها الإخوة في الله،
إن عودة الإسلام إلى الدولة والحياة والمجتمع لايكون بترويس دستور الكفر بالنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ولا بتضمينه مادة تنص على أن الإسلام هو مصدر الدستور والقوانين؛ لأن هذه الإجراءات الشكلية لا قيمة لها أبدًا في ميزان الشرع، بل هي حيلة لجأ إليها الحكام نفاقًا، وخداعًا، ومصانعةً، لجماهير المسلمين، دون وجود أي نية عندهم لإجراء أي تغيير يذكر، فهم قد أبقوا، مذ أن جيء بهم إلى السلطة، علىكل أشكال الحكم القائمة، بل عملوا على تكريسها إرثًا، في تسليط أبنائهم على الأمة من بعدهم، وتنافسوا في ذلك ملوكًا ورؤساء، فكُرست الأنظمة العلمانية ودساتيرها الكافرة في كل بلد من بلاد المسلمين، جنبًا إلى جنب مع تكريس التجزئة الاستعمارية فيها، مع أن ذلك كله يتناقض مع الإسلام وأحكامه، جملةً وتفصيلًا.
إن عودة الإسلام إلى الدولة والحياة والمجتمع، لا يكون إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساسًا للدستور وسائر القوانين، الأمر الذي يعني إلغاء جميع أشكال الحكم القائمة في العالم الإسلامي، ملكية كانت أم جمهورية، برلمانية كانت أم عسكرية، وإعادة نظام الخلافة محلها؛ لأن نظام الخلافة هو شكل الحكم الوحيد في الإسلام، ثم إلغاء جميع الدساتير والقوانين القائمة، وأخذ دستورٍ وقوانينَ بدلًا منها، مبنية على العقيدة الإسلامية، ومأخوذة من كتاب الله، وسنة رسوله، وما أرشدا إليه من قياس وإجماع، وبدون ذلك، لن تكون عودةٌ للإسلام وأحكامه إلى الدولة والحياة والمجتمع.
إخوة الإيمان،