وبعد خرط القتاد خرطًا على أيدي شباب حزب التحرير، عبر عقود من الكدّ المرير، في نشر هذا الفكر السياسي الإسلامي، بين العمل على قطع الأعناق، وقطع الأرزاق، على أيدي أدوات الكافر وأزلامه، في بلاد المسلمين، هذا الفكر الذي أعاد للإسلام حركيته، وقدرته على الفعل والتأثير على نفوذ الكفر، ومراكز ثقله، هذا الفكر الذي نجح بإعادة ربط الإسلام بالسياسة، وربط السياسة بالإسلام، عندما أنزل قضية إقامة الخلافة الإسلامية منزلة القضية المصيرية، التي يتخذ حيالها إجراء الحياة أو الموت. بعد ذلك كله ... منّ الله على هذه الدعوة، وعلى هذه الأمة، بنعمة تحويل الرأي العام في الشارع إلى رأي يؤيد إقامة الخلافة، فأصبح ذكرها على كل لسان، بعد أن كانت عودة الخلافة في روع الناس، إبّان الموجة القومية الناصرية، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أقربَ إلى الخرافة. فاليوم أصبح عرض مسألة: هل إقامة الدولة الإسلامية فرض أو ليس فرضًا؟ يقبع منكسرًا في منطقة قد تجاوزها الزمن، وتجاوزتها الأحداث، وتجاوزتها الأمة، وتجاوزها العمل الإسلامي، منذ عقود طويلة، فلا يوجد جدال ولا نقاش بين المسلمين، ولا العاملين للإسلام، في هذه الأيام حول وجوب إقامة الخلافة الإسلامية، ووجوب تحكيم أحكام الشرع في بلاد المسلمين، من خلال تحويل الأحكام الشرعية إلى قوانين نافذة المفعول، تتحكم في كل شؤون الحياة والدولة والمجتمع، بحيث يحكم بها في كلتا السياستين الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية، فيطبق في الناحية الاقتصادية النظام الاقتصادي في الإسلام، وفي الناحية الاجتماعية النظام الاجتماعي في الإسلام، وفي الناحية الدستورية نظام الحكم في الإسلام، وفي الناحية التعليمية النظام التعليمي في الإسلام، وفي الناحية القضائية والجنائية أحكام البينات، ونظام العقوبات في الإسلام، وفي حالة الحرب أحكام السياسة الحربية في الإسلام، وفي العلاقات الدولية أحكام حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، باعتبار أن الدولة الإسلامية هي الموكول بها حمل رسالة الأمة الإسلامية إلى العالم، لإخراجه من الظلمات إلى النور بإذن الله. نعم، أيها الاخوة، أصبح مدار البحث والنقاش يدورحول طريقة إقامة الخلافة، وحول كيفية صمودها، وسبل التعامل مع ظروف داخلية وخارجية كبيرة، ستنشأ في العالم بُعَيْدَ إقامتها، بعد أخذ العبر من دراسة أسباب سقوط حكم طالبان في أفغانستان، وحكم البعث في العراق، وسبل تفاديها. إن هذا البحث والنقاش بين أبناء الأمة، بقيادة العاملين، يعتبر، في حدّ ذاته، مؤشرًا مهمًّا يشير إلى التقدم إلى الأمام نحو إقامة هذه الدولة، وهو أيضًا، في حدّ ذاته، مؤشر خطير يقرع نواقيس الخطر في عواصم الكفر بشدة، وما الحرب التي أعلنتها أميركا على الإرهاب، في جوهرها وحقيقتها، إلا حربًا على مشروع إعادة الإسلام إلى الحياة، والدولة، والمجتمع، بإقامة دولته وسلطانه، وحربًا على عودته منافسًا، لا قبل لأحد به في الساحة الدولية.
أيها الإخوة في الله،
لا بد لنا، ونحن نحيي هذه الذكرى الأليمة لهدم الخلافة، من تصور حقيقة لا مراء فيها، حقيقة أصبحت في هذه الأيام أجلى من الشمس في رابعة النهار، حقيقة مفادها وجوب وأولوية العمل الذي يتلبس به حملة الدعوة اليوم، من العاملين على استئناف الحياة الإسلامية، بإقامة الخلافة الإسلامية، على منهاج النبوة. هذا المشروع الضخم، والعمل الكبير، يعني فيما يعنيه، إعلان حربٍ تحريريةٍ شاملةٍ على كل أعداء الأمة، القريب منهم والبعيد، المكشوف منهم والخفيّ، إنها المعركة الأضنى، التي ستدفع بكل مقدرات الأمة المادية والمعنوية، في أتون الجهاد الشامل، الذي سيدكّ أركان الكفر والظلم، ويطيح بعروش البغي، ويحْطِم هامات المستكبرين. إنها معركة النفس الطويل، إنها المعركة المصيرية الكبرى، والمستمرة، والطويلة بعزيمة الأسياد، إنها المعركة التي لا مكان فيها للعبيد ...
فالحُرُّ لا يُلقي القِيادَ لِكُلِّ كَفَّارٍ وعاصِ
وبغيرِ نضحِ الدمِ لا يُمحى الهوانُ عن النواصي
أيها الإخوة الأحباب،